أخبرصلى اللَّه عَلَيْهِ وسلم بهزيمة الفرس وغلب الروم، في وقت كادت دولة الفرس أن تزيل الامبرطورية الرومانية من خارطة الدُّنْيَا، فقد وصلت جيوش كسرى أبرويز الثاني إلى وادي النيل، ودانت له أجزاء عظيمة من مملكة الرومان.
سنواتٌ معدودة تمكن فيها جيش الفرس من السيطرة عَلَى بلاد الشام وبعض مصر، واحتلت جيوشهم أنطاكيا شمالًا، مِمَّاآذن بنهاية وشيكة للإمبرطورية الرومانية.
وأمام هذا الطوفان الفارسي أراد هرقل ملك الروم أن يهرب من عاصمة ملكه القُسطَنطينيَّة، وكاد أن يفعل لَوْلا أن كبير أساقفة الروم أقنعه بالصمود وطلب الصلح الذليل من الفرس.
ووسط هذه الاحداث - وخلافًا لكل التوقعات - أعلن النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في أجواء مكة المتربصة به وبدعوته أن الروم سينتصرون عَلَى الفرس في بضع سنين، أي فيما لا يزيد عن تسع سنين، فقد نزل عَلَيْهِ قول اللَّه تعالى: (غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأرْض وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الامْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّه يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْ عَزَّ يزُ الرَّحِيمُ وَعْدَ اللَّه لَا يُخْلِفُ اللَّه وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاس لَا يَعْلَمُونَ) . [1]
يقول المؤرخ إدوارجِبن في كتابه"تاريخ سقوط وانحدارالامبراطورية الرومانية":"في ذلك الوقت، حين تنبأ القرآن بهذه النبوءة، لم تكن أية نبوءةٍ أبعدَ مِنْهَا وقوعًا، لأن السنين العشرالاولى من حكومة هرقل كانت تؤذن بانتهاءالامبرطورية الرومانية".
لقد كان النبي صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يتنبأ بانتصار المهزوم الَّذِيْ يكاد يستسلم لخصمه، ويحدد موعدًا دقيقًا لهذا النصر الَّذِيْ ما من شيء أبعد في تحققه منه.
وتناقلت قريش هذه النبوءة الغريبة التي خالفت أهواءهم التي مالت إلى جانب الفرس إخوانِهم في الوثنية، بينما أحب المُسْلِمون انتصار الروم لأنهم أهل كتاب، واستبشروا بالخبر.
قَال ابن عَبَّاس: (كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس عَلَى الروم، لأنهم وإياهم أهلُ أوثان، وكان المُسْلِمون يحبون أن يظهر الروم عَلَى فارس لأنهم أهلُ كتاب،
(1) الروم: 2 - 6