وهذا من أكبر التلبيس ليوهم القارئ أن هذا الأثر الذي نسبه لابن عباس في كتاب الاستيعاب، مع أنه لا يوجد فيه، ولعله أخذه من كتب الرافضة فأراد أن يدعمه بما ادعى من إجماع صحاح أهل السنة على أن عليًا كان أفضل الصحابة وأعلمهم، وهذا لوثبت لما كان فيه أي دلالة على صحة نسبة هذا الأثر لابن عباس، فنسبة الأثر
لابن عباس شيء، وما ادعى من أن عليًا كان أعلم الصحابة شيء آخر.
... والناظر في معنى هذا الأثر يعلم فساده وبطلان نسبته لابن عباس دون النظر في سنده، فإن معناه باطل قطعًا، وفيه من الغلوما يخرج عليًا -- رضي الله عنه -- عن طبيعته البشرية إلى مضاهاة الخالق في علمه، بل لوقيل هذا الأثر في نبي من الأنبياء لكان هذا غلوًا ظاهرًا فكيف بعلي!! فإن هذا التفاوت العظيم في نسبة العلم لا يكون بين المخلوقين، وهذا شبيه جدًا بما ثبت في قصة الخضر مع موسى في الصحيحين وفيها: (فلما ركبا في السفينة جاء عصفور فوقع على حرف السفينة، فنقر في البحر نقرة أونقرتين، قال له الخضر: ياموسى ما نقص علمي وعلمك
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ... ثم اهتديت ص173.
من علم الله، إلا مثل ما نقص هذا العصفور بمنقاره من البحر) (1) ، والرافضة كثيرًا ما يعمدون لصفات الله تعالى ويثبتونها لعلي، كما هومعلوم من كتبهم، وكما في هذا الأثر المنسوب لابن عباس - رضي الله عنهما- زورًا وبهتانًا والذي يأباه الدين والعقل، وتظهر عليه آثار الوضع، وأما ما ادعاه من إجماع صحاح أهل السنة على أن عليًا كان أفضل الصحابة وأعلمهم، فكذب صريح وافتراء عظيم على أهل السنة، فإن أهل السنة متفقون على أن أبا بكر الصديق كان أعلم الصحابة وأفضلهم، ثم من بعده عمر وقد تقدم تقرير ذلك بنقل الآثار في ذلك عن الصحابة، وأقوال أهل العلم من بعدهم، مما يغني عن إعادته هنا وليراجع في موضعه. (2)