وهكذا كان شأن علي رضي الله عنه في تلك المدة التي قبل بيعته، فإنه لم يُظهر على أبي بكر خلافًا، ولا شق العصا، ولكنه تأخر عن الحضور عنده للعذر المذكور في الحديث، ولم يكن انعقاد البيعة وانبرامها متوقفًا على حضوره، فلم يَجب عليه الحضور لذلك، ولا لغيره، فلما لم يجب: لم يحضر.
وما نُقل عنه قدحٌ في البيعة، ولا مخالفة، ولكن بقي في نفسه عتب، فتأخر حضوره إلى أن زال العتب.
وكان سبب العتب: أنه مع وجاهته، وفضيلته في نفسه في كل شيء، وقربه من النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك: رأى أنه لا يُستبد بأمر إلا بمشورته، وحضوره، وكان عذر أبي بكر وعمر وسائر الصحابة واضحًا؛ لأنهم رأوا المبادرة بالبيعة من أعظم مصالح المسلمين، وخافوا من تأخيرها حصول خلاف ونزاع تترتب عليه مفاسد عظيمة، ولهذا أخروا دفن النبي صلى الله عليه وسلم حتى عقدوا البيعة؛ لكونها كانت أهم الأمور، كيلا يقع نزاع في مدفنه، أوكفنه، أوغسله، أوالصلاة عليه، أوغير ذلك، وليس لهم من يفصل الأمور، فرأوا تقدم البيعة أهم الأشياء"انتهى."
"شرح مسلم" (12/ 77 - 78) .
وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله:
"وكأنهم كانوا يعذرونه في التخلف عن أبي بكر في مدة حياة فاطمة، لشغله بها وتمريضها، وتسليتها عما هي فيه من الحزن على أبيها صلى الله عليه وسلم؛ ولأنها لما غضبت من رد أبي بكر عليها فيما سألته من الميراث: رأى عليٌّ أن يوافقها في الانقطاع عنه"انتهى.
"فتح الباري" (7/ 494)
ثانيا:
قد ورد أيضا أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه بايع أبا بكر في بداية الأمر، ولم يتأخر عن البيعة، ولكن الرواية التي ورد فيها بيان ذلك في ثبوتها بعض التردد.
فقد رُوي الحديث من طريق وهيب بن خالد، عن داود بن أبي هند، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد.