فهرس الكتاب

الصفحة 416 من 2474

2)انظر البخاري ج4 ص168 ومواضع أُخر.

الوجه الثالث: أن يُقال: الاستخلاف في الحياة واجبٌ على كل وليّ أمر؛ فإن كل ولي أمر - رسولا كان أوإماما - عليه أن يستخلف فيما غاب عنه من الأمور، فلا بد له من إقامة الأمر: إما بنفسه، وإما بنائبه. فما شهده من الأمر أمكنه أن يقيمه بنفسه، وأما ما غاب عنه فلا يمكنه إقامته إلا بخليفة يستخلفه عليه، فيولّي عَلَى مَنْ غاب عنه مِن رعيته مَنْ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويأخذ منهم الحقوق، ويقيم فيهم الحدود، ويعدل بينهم في الأحكام، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستخلف في حياته على كل ما غاب عنه، فيولِّي الأمراء على السرايا: يصلّون بهم، ويجاهدون بهم، ويسوسونهم، ويؤمِّر أمراء على الأمصار، بخلاف الاستخلاف بعد الموت، فإنه قد بلَّغ الأمة، وهوالذي يجب عليهم طاعته بعد موته، فيمكنهم أن يعينوا من يؤمِّرونه عليهم، كما يمكن ذلك في كل فروض الكفاية التي تحتاج إلى واحد معيّن - عُلم أنه لا يلزم من وجوب الاستخلاف في الحياة بعد الموت.

الرابع: أن الاستخلاف في الحياة واجبٌ في أصناف الولايات، كما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستخلف على من غاب عنهم من يقيم فيهم الواجب.

ومعلوم أن هذا الاستخلاف لا يجب بعد الموت باتفاق العقلاء، بل ولا يمكن، فإنه لا يمكن أن يعيِّن للأمة بعد موته من يتولّى كل أمر جزئي، فإنهم يحتاجون إلى واحدٍ بعد واحد، وتعيين ذلك متعذر.

الوجه الخامس: أن ترك الاستخلاف بعد مماته كان أَوْلى من الاستخلاف كما اختاره الله لنبيه، فإنه لا يختار له إلا أفضل الأمور.

فعُلم أن ترك الاستخلاف من النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد الموت أكمل في حق الرسول من الاستخلاف، وأن من قاس وجوب الاستخلاف بعد الممات على وجوبه في الحياة كان من أجهل الناس.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت