وأبوبكر لم يكن يعلم أن الأمة يولُّون عمر إذا لم يستخلفه أبوبكر. فكان ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - هواللائق به لفضل علمه، وما فعله صدِّيق الأمة هواللائق به إذ لم يعلم ما علمه النبي - صلى الله عليه وسلم -.
الوجه السادس: أن يُقال: هب أن الاستخلاف واجب، فقد استخلف النبي - صلى الله عليه وسلم - أبا بكر على قول من يقول: إنه استخلفه، ودلّ على استخلافه على القول الآخر.
وقوله: (( لأنه لم يعزله عن المدينة ) ).
قلنا: هذا باطل، فإنه لمّا رجع النبي - صلى الله عليه وسلم - انعزل عليٌّ بنفس رجوعه، كما كان غيره ينعزل إذا رجع. وقد أرسله بعد هذا إلى اليمن، حتى وافاه الموسم في حجة الوداع، واستخلف عَلَى المدينة في حجة الوداع غيره.
أفترى النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها مقيمًا وعليّ باليمن، وهوخليفة بالمدينة؟!
ولا ريب أن كلام هؤلاء كلام جاهل بأحوال النبي - صلى الله عليه وسلم -، كأنهم ظنّوا أن عليًّا ما زال خليفة عَلَى المدينة حتى مات النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولم يعلموا أن عليًّا بعد ذلك أرسله النبي - صلى الله عليه وسلم - سنة تسع مع أبي بكر لنبذ العهود، وأمَّر عليه أبا بكر. ثم بعد رجوعه مع أبي بكر أرسله إلى اليمن، كما أرسل معاذًا وأبا موسى.