قلت: هذا من باب المناقب، لا من باب الفضائل. وكل صحابي اختص بمنقبة لا توجد في غيره، كما لا يخفى على من تتبع كتب السير. وأيضًا إن القرآن نزل على أسلوب كلام العرب، وطرز محاوراتهم. ولوفرض أن كبيرين من عشيرتين وقع بينهما حرب وجدال، يقول أحدهما للآخر. ابرز أنت وخاصة عشيرتك، وأبرز أنا وخاصة عشيرتي، فنتقابل ولا يكوّن معنا من الأجانب أحد، فهذا لا يدل على أنه لم يوجد مع الكبيرين أشجع من خاصتهما. وأيضًا الدعاء بحضور الأقارب يقتضي الخشوع المقتضي لسرعة الإجابة.
فقال: ولا ينشأ الخشوع إذ ذاك إلا من كثرة المحبة.
فقلت: هذه محبة مرجعها إلى الجبلَّة والطبيعة، كمحبة الإنسان نفسه وولده أكثر ممن هوأفضل منه ومن ولده بطبقات فلا يقتضي وزرًا ولا أجرًا إنما المحبة المحدودة التي تقتضي أحد الأمرين المتقدمين إنما هي المحبة الاختيارية.
فقال: وفيها وجه آخر يقتضي الأفضلية، وهوحيث جعل نفسه صلى الله عليه وسلم نفس علي، إذ في قوله:"أبناءنا"يراد الحسن والحسين، وفي"نساءنا"يراد فاطمة، وفي"أنفسنا"لم يبق إلا علي والنبي صلى الله عليه وآله وسلم .
فقلت: الله أعلم أنك لم تعرف الأصول، بل ولا العربية. كيف وقد عبر بأنفسنا، و"الأنفس"جمع قلة مضافًا إلى"نا"الدالة على الجمع ومقابلة الجمع بالجمع تقتضي تقسيم الآحاد، كما في قولنا:"ركب القوم دوابهم"أي ركب كل واحد دابته. وهذه مسألة مصرحة في الأصول، غاية الأمر أنه أطلق الجمع على ما فوق الواحد وهومسموع كقوله تعالى:] أولئك مبرءون مما يقولون [أي عائشة وصفوان - رضي الله تعالى عنهما -، وقوله تعالى:] فقد صغت قلوبكما [ولم يكن لهما إلا قلبان. على أن أهل الميزان يطلقون الجمع في التعاريف على ما فوق الواحد، وكذلك أطلق الأبناء على الحسن والحسين، والنساء على فاطمة فقط مجازًا. نعم لوكان بدل أنفسنا"نفسي"لربما كان له وجه ما بحسب الظاهر.