فهرس الكتاب
وكذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم -، ففي الصحيحين عنه أنه قال: (( إنكم تختصمون إلىَّ، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وإنما أقضى بنحوما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئًا فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار ) ) (1) 2).
الوجه الثاني عشر: أن يُقال: العصمة الثابتة للإمام: أهي فعل للطاعات باختياره وتركه للمعاصي باختياره، مع أن الله تعالى عندكم لا يخلق اختياره؟ أم هي خلق الإرادة له؟ أم سلبه القدرة على المعصية؟
فإن قلتم بالأول، وعندكم أن الله لا يخلق اختيار الفاعلين، لزمكم أن الله لا يقدر على خلق معصوم.
وإن قلتم بالثاني بطل أصلكم الذي ذهبتم إليه في القدرة.
وإن قلتم: سَلْبُ القدرة على المعصية، كان المعصوم عندكم هوالعاجز عن الذنب. كما يعجز الأعمى عن نقط المصاحف، والمُقعد عن المشي.
والعاجز عن الشيء لا يُنهى عنه ولا يؤمر به، وإذا لم يُؤمر وُينه لم يستحق ثوابًا على الطاعة، فيكون المعصوم عندكم لا ثواب له على ترك معصية، بل ولا على فعل طاعة. وهذا غاية النقص.
وحينئذ فأيّ مسلم فُرض كان خيرًا من هذا المعصوم، إذا أذنب ثم تاب، لأنه بالتوبة محيت سيئاته، بل بُدِّل بكل سيئة حسنة مع حسناته المتقدمة، فكان ثواب المكلَّفين خيرًا من المعصوم عند هؤلاء، وهذا يناقض قولهم غاية المناقضة.
وأما المقدمة الثانية: فلوقدر أنه لابد من معصوم، فقولهم ليس بمعصومٍ غير عليٍّ اتفاقًا ممنوع، بل كثير من الناس من عبَّادهم وصوفيتهم وجندهم وعامتهم يعتقدون في كثير من شيوخهم من العصمة، من جنس ما تعتقده الرافضة في الاثنى عشر، وربما عبَّروا عن ذلك بقولهم: (( الشيخ محفوظ ) ).
وإذا كانوا يعتقدون هذا في شيوخهم، مع اعتقادهم أن الصحابة أفضل منهم، فاعتقادهم ذلك في الخلفاء من الصحابة أَوْلى.
(1) انظر البخاري ج3 ص 18. وج9 ص 25 ومسلم ج3 ص 1337 - 1338.