وتكرار الأصوات والكلمات والتراكيب ليس ضروريا لتؤدِّي الجملُ وظيفتها المعنوية والتداولية، ولكنه (شرط كمال) أو"محسِّنٌ"أو"لعبٌ لغويّ" [1] .
فنجد تلك الظاهرة بألوانها المتعددة بارزة في ديوان يوسف الثالث؛ من تكرار للأسماء والأفعال والحروف، وتكرار للجمل الإسمية والفعلية، والوحدات والمقاطع، كما رُصِدَ تكرارٌ نمطي عددي أيضا على امتداد ديوانه؛ فكان التكرار عند يوسف الثالث ظاهرة أسلوبية شغف بتوظيفها لتحقيق أغراض فكرية وتعبيرية ونفسية. فعلى وجه الفخر يقول:
الطويل
لنا حجة الفخر المحقق صدُقها ... وقد فاتحتنا مكةُ ومقامُها
لنا أن دعا الدَّاعي لنصرة دينه ... أجابتها نصريةُ واحتكامُها
لنا الصوْلة المرُهوبةُ العزمِ كلما ... تصول الأعادي أو يطول خصامُها
لنا اليدُ من أوصافها البأسُ والندا ... وما شرفُ الأملاكِ إلا استلامُها
لنا رِقةُ الطبع الكريم إذا انثنى ... بنا مَعطفُ الباب البديع قوامُها [2]
في تكراره الاستهلالي لشبه الجملة (لنا) يريد التأكيد والتنبيه وإثارة التوقع لدى المتلقي، بأن تلك الخصال وقفٌ عليه وعلى قومه؛ هذا التوقع يجعلنا نشارك الشاعر إحساسه ونبضه الشعريّ حين يفخر بنجدته وقومه المستغيث ونصرتهم له، فهم قوم تشهد ساحات الوغى بعزمهم الشديد وصولاتهم التي ترهب الأعادي، ولهم اليد الطولى في الجهاد، وفي السلم يمدون يد العون والجميل وذلك من رقة طبعهم وجمال صفاتهم.
فالتكرار الاستهلالي في أول البيت يشكل مع القافية في آخر البيت جزءا من الموسيقى الداخلية التي تكسر رتابة الإيقاع، ويقرب النص من أذن السامع.
(1) - مفتاح، محمد، تحليل الخطاب الشعري"استراتيجية التناص"، ط 3، (الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 1992) ، ص 39
(2) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 120