لو أن ما بي بالسحب من ألم ... ما أرْسلت واكفا من المطرِ [1]
يا الله! لقد بلغت مرارة الألم منه مبلغا؛ فقدْ فقدَ حبيبته وأم عياله بعد الولادة، وبعد أسبوع فقد وليده، أي أسف! وأي فجيعة تلك يتحملها إنسان! بل أي لفظ يمكن أن يعبر عما في القلب من لظى! لكن يوسف الثالث عبر عن حزنه العميق هذا بأنه لا تحتمله السماء مع اتساعها وارتفاعها، وسوف يطغى حزنه على نور الشموس فيخبو نورهن، كما أن الرياض على كثرتها لو أن بها ما به من مرض وسقم وشدة، ما شممنا منها رائحة، بل إن الغيم لن يتحمل شدة وجده ولن يُنزل قطرا.
جاء تكرار مقطع (لو أن ما بي من .. ) واصفا لنا حالته الشعورية التي انعكست على صياغته، فهو على عِظم المصيبة وعظم ألمها يتحمل ما لا تحتمله السماء بسحبها والأرض برياضها.
والتكرار كظاهرة أسلوبية أحَد المنابع للموسيقى الشعريّة الداخليّة، وهو مستحب في ألوان الشعر"وأولى ما تكرر فيه الكلام باب الرثاء؛ لمكان الفجيعة وشدة القرحة التي يجدها المتفجع" [2] .
ومُوافقةً لرأي ابن رشيق نجد أن يوسف الثالث قد استخدم التكرار في جل مراثيه، ورأيناه يدخله في جميع ألوان شعره من الحنين والشوق إلى الفخر والمدح مرورا بالغزل والنسيب، ذلك لأن التكرار نابع من إحساس الشاعر وحالته الشعورية فلا يملك إلا أن يكرر الألفاظ التي تعكس تجربته الانفعالية التي شكّلها وتعكس ما يعتمل داخله من مشاعر وأحاسيس؛ وفي مثال أخير لتكرار الحروف:
الخفيف
كم خطوب لأجله معضلات ... دفعتنا إلى مجال الطرادِ
كم رحمنا مُقتلا بسيوف ... قد نضاها ظُلما عن الأغمادِ
كم دعوناه للصلاح فولى ... وجهه للذي ارتضى من فسادِ [3]
(1) - المرجع السابق، ص 78
(2) - ابن رشيق، مرجع سابق، 2/ 76
(3) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 40