فهرس الكتاب

الصفحة 168 من 317

هذا الشاعر المتمكن ناسب بين الآس والورد، وبين الصدغ والخد، وبين الشروق والشهاب فالشجر العاطر يتآلف والورد الذكي، والخد والصدغ يجمعهما الوجه، والإشراق والشهب يتفقان في النور والضياء؛ فجذب القلوب وأنشأ الأذواق في المناسبة بين تأثيرات ثلاثة: الرائحة العطرة، والنور الساطع، والملمس الناعم، مع الاستعارة التي يستعار منها المحاسن؛ ومن أحلى ما يستحلى في الذوق، من مراعاة النظير:

الخفيف

هي عيني إذا نظرتُ وسمعي ... وهي ديني وقبلتي وثوابي [1]

نرى حُسْنَ ما ناسب بين العين والسمع؛ والدين والقِبلة، والثواب؛ ويظهر الانسجام التام بين الدين كإطار جامع شامل، وبعض أجزاءه من القِبلة كعمل من أعمال الصلاة ومن الثواب المرجو من ذلك العمل، فتلك المعاني هي مكون ديني لشخصية المسلم؛ كما لا يخفى التناغم والجمالية بين العين والنظر من جهة والقبلة من جهة أخرى؛ إذ أن العين والنظر يتجهان إلى القبلة أثناء الصلاة خمس مرات في يوم؛ وما زال الشاعر يؤكد أنه لا عيش له إلا بحبيبته؛ فهي منه بمنزلة عينه التي يبصر بها وسمعه الذي يسمع به، فمن يستطيع أن يعيش بلا عين ولا سمع؟!

وعندما شعر بجفوة حبيبته أرجع تلك الجفوة والوحشة بينهما إلى عين الحُسّاد قائلا:

البسيط

لعل عينا أصابتنا فلا نظرت ... أو واشيا قال- فيما بيننا - كذبا

مهلا فإن سهام العين حين رمت ... ولم تُصِب نال منها المقتدي وصبا [2]

في البيت الأول ناسب بين العين و الحسد والنظر، ثم القول والكذب والواشي، وفي البيت الثاني ناسب بين السهام والرمي وإصابة الهدف.

(1) - المرجع السابق، ص 11

(2) - المرجع السابق، ص 12

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت