فهو على العهد باقٍ، ولحبيبته مخلص؛ لكن ما حدث بينهما نتيجة لسبب خارجي بعيد كل البعد عنه، فربما أصابتهم عين حاسد -عليها من الله ما تستحق، أو ربما وشاية كاذب مشى بينهما بنميمة؛ ثم استخدم الاستعارة ليمثل الحسد بالسهم الخارج من قوسه ليصيب هدفه، فالارتباط والمناسبة بين الألفاظ والمعاني واضح، وكذا الارتباط بين البيتين أكثر وضوحا لوجود الرابط بينهما.
وإذا عرفنا أن استعمال ألفاظ الرمي والسهم والإصابة هو استعمال مجازي مجتلب لا حقيقي، استخدمه الشاعر لتقريب المعنى المراد؛ أدركنا الجمالية التي يحققها استخدام معان تنتمي إلى بيئة واحدة أو حرفة واحدة؛ ولعمري لقد أصاب يوسف الثالث الغرض في هذا المرمى!
ومنه كذلك:
الكامل
لا زال يُعلي قدرَ كل منكمُ ... الجاهُ والإجلالُ والإعظام [1]
يتضح أنه اعتمد في مدحه علماء مملكته على مراعاة النظير كمحسن بديعي معنوي، فالجاه والإجلال والإعظام، كصفات تُعلي من قدر صاحبها وترفع من شأنه؛ كما أنه جاء بالنظير متتاليا ولم يفصل بين تلك الألفاظ لتوضيح المعنى المراد وتأكيده والإلحاح عليه بطريقة لطيفة غير فجة ولا مستقبحة.
ومنه أيضا:
الخفيف
إن هَوَى من سمائنا اليوم نجمٌ ... فحِمانا مُجدّدٌ أقمارًا [2]
نرى كيف راعى النظير في (السماء ونجم وأقمار) فتلك الألفاظ متلازمة، فحينما نسمع كلمة السماء فإن أول ما يتبادر إلى الذهن النجوم والأقمار.
ويلحق بمراعاة النظير ما بني على المناسبة في المعنى بين طرفي الكلام، ويعني"أن يختم الكلام بما يناسب أوله في المعنى" [3] ، نحو قوله تعالى: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ
(1) - المرجع السابق، ص 116
(2) - المرجع السابق، ص 86
(3) - طبانة، مرجع سابق، ص 258