الْخَبِيرُ [1] ، فإن"اللطيف"يناسب عدم إدراك الأبصار له، و"الخبير"يناسب إدراكه سبحانه وتعالى للأبصار، لأن إدراك الشيء يستلزم الخبرة به؛ ومن هذا الفن في الديوان قصيدته التي بدأها بقوله:
المتقارب
تحكَّمْت في السر والخاطر ... وما زلت كالنور في الناظرِ [2]
بدأ الشاعر البيت الأول في قصيدته بلفظ"تحكَّمْت"، ومن معاني"التحكم"الأمر والنهي، وهما صفتان ملازمتان لمن له تلك السُّلطة، فختم القصيدةببيت بدأه بالأمر والنهي، فيقول:
المتقارب
لكَ الأمرُ والنهيُ فيما تشاء ... فرُحْماك مولاي من آمِر [3]
بل وجاء بلفظة"آمر"وجعلها آخر كلمة في القصيدة، لتناسب أول كلمة في القصيدة وهي"التّحكم"؛ انظر كيف أوجد علاقة تربط بين أول القصيدة وآخرها، في توفيق، ودقة، وجمال.
استخدم يوسف الثالث فن مراعاة النظير استخداما جيدا عبر قصائد ديوانه؛ فنجد هذا الفن يتسلل بتلطف ملموس، وتوسع مقبول من غير تكلف محسوس.
ولعل أبرز عناصر الجمال في مراعاة النظير كمحسن معنوي هو الانسجام والتلاؤم والتناغم بين النظائر، هذا من جانب؛ ومن جانب آخر؛ أن هذا الفن البديعي يعطي الفكرة والغرض قوة ومتانة نابعتين من تناسب الألفاظ والمعاني؛ فإن المعاني المتناسبة والألفاظ المتشابهة المترابطة يعزز بعضُها دلالةَ بعضٍ وينميها ويشد أزرها؛ ويضيف هذا الفن بُعدا جديدا ألا وهو بُعد الوعي واليقظة عند الناظم، الذي استطاع أن يأتي بفكرة تربط بين أجزائها شبكة معقدة من العلاقات؛ واستخدام معجم الأشياء المتقاربة والمتشابهه ينفي تشوش الذهن ويُدخله إلى منطقةٍ واحدة من مناطق المفردات وإبقائه فيها، أمرٌ محببٌ إلى النفس موقظ للحس الجمالي.
(1) - سورة الأنعام، الآية: 130
(2) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 80
(3) - المرجع السابق، ص 81