وعرفه الحموي: بأن"يتقدم من الكلام ما يدل على ما يتأخر، تارة بالمعنى وتارة باللفظ" [1] .
ومن أمثلته من كتاب الله تعالى: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا} [2] ، فإذا وقف السامع على قوله: {وَلَكِن كَانُوا} عرف لا محالة أن بعده ذكر ظلم النفوس وذلك بسبب ما تقدم في الكلام بما دلّ على ذلك دلالة ظاهرة، وبأمارة قوية، فيعرف السامع نهاية الفقرة ألا وهي {أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} .
ومنه أيضا قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} [3] ، فالسامع إذا وقف على قوله تعالى: {وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ} ، بعد الاحاطة بما تقدم علم أنه {وَقَبْلَ الْغُرُوبِ} .
ومن البلاغيين من يسمي هذا الفن"التسهيم"؛ كالحموي في"خزانة الأدب" [4] ، والنابلسي في"نفحات الأزهار" [5] ، وكابن منقذ في"البديع"الذي عرفه قائلا:"التسهيم: أن تعلم القافية، لما يدُلُّ عليها الكلام في أول البيت" [6] ، وكذلك جرمانوس فرحات بقوله:"التسهيم هو أن يستدل السامعُ على قافية البيت قبل أن ينتهي إلى الروي؛ والدلالة تارة تدل على عجز البيت، وتارة على ما دون العجز" [7] .
ومنهم من سماه التوشيح كابن رشيق في"العمدة" [8] ، وأبي هلال العسكري فيقول:"سمي هذا الفن التوشيح؛ وهو أن يكون مبتدأ الكلام يُنبئ عن مقطَعِه؛ وأولُه يخبر بآخره، وصدره يشهد بعَجُزه، حتى لو سمعت شعرا .. وسمعت صدْر بيت منه وقفْتَ على عجُزه قبل بلوغ السماع إليه" [9] .
(1) - الحموي، خزانة الأدب، مرجع سابق، 2/ 303
(2) - سورة العنكبوت، جزء من الآية: 40
(3) - سورة ق، جزء من الآية: 39
(4) - الحموي، خزانة الأدب، مرجع سابق، 2/ 303
(5) - النابلسي، مرجع سابق، ص 135
(6) - ابن منقذ، مرجع سابق، ص 127
(7) - عكاوي، مرجع سابق، ص 61
(8) - ابن رشيق، مرجع سابق، 2/ 31
(9) - العسكري، مرجع سابق، ص 382