يتضح أن البلاغيين ومعهم نقاد الأدب قد اختلفوا في الاسم، فمنهم مَن سماه"الإرصاد"، ومنهم من سماه"التسهيم"، ومنهم من سماه"التوشيح"؛ ولكنهم اتفقوا على المسمى، دون الزام.
وقد أخذ الباحث برأي ابن الأثير ومن وافقه ممن رأوا أنّ تسمية هذا الفن"بالإرصاد"أولى، "وذلك حيث ناسب الاسم مسمّاه ولاقَ به، أما"التوشيح"فنوع آخر" [1] .
ومن أوضح أمثلة النظم على هذا الفن وأعجبه وأجمله قول البحتري:
أحلّت دمي من غير جُرم وحرّمتْ ... بلا سببٍ يومَ اللقاء كلامِي
فليس الذي حلَّلْتِهِ بمحلَّلٍ ... وليس الذي حرَّمْتِه بِحرامِ [2]
فمن سمِع البيت الأول وصدر البيت الثاني عرف العجُز كله.
ومنه قول جَنوب الكاهلية في رثاء أخيها:
فكنتَ النهارَ به شمسَهُ ... وكنتَ دُجَى الَّليل فيه الهلالا [3]
فلما ذكرت الشاعرةُ النهارَ جعلت أخاها شمسًا، ولما ذكرت الليل جعلته هلالا لمناسبة القافية، ولو كانت القافية رائية لجعلته قمرا، وهذا من الإرصاد.
(1) - ابن الأثير، ضياء الدين نصر الله، الجامع الكبير في صناعة المنظوم من الكلام المنثور، تحقيق: مصطفى جواد، وجميل سعيد، د. ط (بغداد، مطبعة المجمع العلمي العراقي، 1956) ، ص 240
(2) - البحتري، أبو عبادة الوليد بن يحيى، ديوان البحتري، تحقيق، حسن كامل الصيرفي ط 3، (القاهرة، دار المعارف، 1964) ، 3/ 2000
(3) - ابن رشيق، مرجع سابق، 2/ 32