ومن الأمثلة على فن الإرصاد كمحسن بديعي في ديوان يوسف الثالث قوله:
الطويل
ألم تدرِ أني إن حللتُ بمجلسِ ... وجوه الأماني واجهتني وسامُها
فمهما دجى خطب فإني شمسه وإن دهمت حرب فإني هُمامها [1]
"وسر الصنعة هنا أن يكون معنى البيت مقتفيا قافيته، وشاهدا بها، دالا عليها" [2] .
فكما أخبر عن نفسه أنه شمس في ظُلَم الشدائد والخطوب، فيتوقع السامع بعد"إن دهمت الحروب"أنه هُمامها وذلك مناسبة للقافية والمعنى، وهذا من جمالية البيت، ودقة الصنعة.
وكذلك:
الطويل
تقضى شقيق الروح لا زال لحدُهُ ... يعاهده صوبٌ من الغيث مُمرّعُ
وهل هي إلا النفس منحةُ منعمٍ ... وربّيَ يُعطي ما يشاء ويمنعُ [3]
في صدر البيت الثاني"النفس منحةُ"لها دلالة في ذهن السامع، وتهئية للعجُز، فبعد سماع"وربّيَ يُعطي ما يشاء"تُعرف القافية ورويها، ومعناها ولفظها، فيقول السامع مباشرة"ويمنعُ".
ومن عجيب هذا الفن في ديوان يوسف قوله:
الطويل
أحِنّ إلى مرءاك لكن حُرمته ... وإن كان لم يُحرّمه فكر وخاطرُ
لئن كنت عن سمعي وطرفي غائبا ... فإنك في قلبي وفكري حاضرُ [4]
(1) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 120
(2) - ابن رشيق، مرجع سابق، 2/ 32
(3) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 139
(4) - المرجع السابق، ص 194