فكان هذا تضمينا من بيتين شهيرين لأبي العتاهية قالهما في حضرة الرشيد، يقول فيهما:
الرمل
عِزة الوُدّ أرتهُ ذِلّتي ... في نواه، وله رأيٌ حسنْ
فلهذا صِرتُ مملوكا لهُ ... ولهذا شاعَ ما بي وعلَنْ [1]
ونراه يغيّر في بعض الألفاظ، وكذا في ترتيب الأشطر فيعكسها، ولم يذكر صاحب البيتين وذلك لأن البيتين مشهوران ولهما قصة معروفة؛ فاستعان الشاعر في نسيبه بأبي العتاهية على سبيل التضمين؛ لتنبيه السامع إلى اشتراك الشاعر مع أبي العتاهية في المشاعر نفسها، وأن ذِلّة الحب ليست بدعا بل هناك من فطاحل الشعراء من ذاق ذاك الألم العذب، والعذاب الحلو كأبي العتاهية؛ ولا يخفى ما في هذا من إلحاق المتأخر بالمتقدم في المنزلة؛ وفي موطن أخر يقول في رثاء والده:
الطويل
سأبكيك ما فاضت دموعي وإن تَغض ... فحسبك تسهيدي وطول تنازحي [2]
وهذا البيت قد ضمّنه شطرا من رثائية أشجع السُلمي [3] يقول فيها:
الطويل
سأبكيك ما فاضت دموعي وإن تَغض ... فحسبك مني ما تُكِن الجوانح [4]
(1) - أبو العتاهية، إسماعيل بن القاسم، ديوان أبي العتاهية، د. ط، (بيروت، دار بيروت للنشر، 1986) ، ص 458
(2) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 21
(3) - أشجع بن عمرو السلمي، أبو الوليد، من بني سُليم، من قيس عيلان: شاعر فحل، كان معاصرا لبشار بن برد؛ ولد باليمامة ونشأ بالبصرة، وانتقل إلى الرقة واستقرّ ببغداد؛ مدح البرامكة وانقطع إلى جعفر بن يحيى فقرَّبه من الرشيد، فأعجب الرشيد به، فأثري وحسنت حاله، وعاش إلى ما بعد وفاة الرشيد ورثاه؛ توفي نحو 195 هـ؛ انظر: الزركلي، خير الدين، الأعلام، ط 15، (بيروت، دار العلم للملايين، 2002) ، 1/ 331؛ الأصفهاني، أبو الفرج، كتاب الأغاني، تحقيق: إحسان عباس، إبراهيم السعافين، بكر عباس، ط 3، (يبروت، دار صادر، 2008) ، 18/ 153
(4) - الإبشيهي، شهاب الدين، المستطرف في كل فن مستظرف، إشراف المكتب العالمي للبحوث، د. ط، (بيروت، دار مكتبة الحياة، 1992) ، ص 368