وأحيانا لا يكون التضمين سافرا، بل خفيفا رقيقا كنسمة صيف تداعب المتلقي؛ فيأتي بمعنى يشير من طرف خفي وبالتلميح لا بالتصريح إلى شعر سمعناه وتلقيناه من قبل، من ذلك قوله:
الرجز
ألا وارحمن من عيل بالهجر صبره ... وأقلقه شوق إليك مبرحُ [1]
فهذا البيت يحفز ذاكرتنا ويثير حافظتنا لنعرف أن به تضمينا يعود بنا إلى عمر بن أبي ربيعة مرة أخرى:
أرسلتُ لمّا عيل صبري إلى ... أسماءَ والصّبُّ بأَنْ يُرسِلا [2]
واضح اتفاق يوسف الثالث مع ابن أبي ربيعة فيما مرّا به من هجر وبعاد، مع ما بهما من شوق لِلِقاءِ الحبيبة ومن نفاد صبرهما على ذاك البعد، فنجد شاعرنا قد ضمن هذا المعنى تلميحا.
وأما التضمين الذي تحدث عنه شاعرنا بنفسه في أول القصيدة، وقدّم له بقلمه، ووضعَ قوسين حول البيت أو الجزء المضمَّن من القصيدة؛ فمنه:"وتُحدِّث بين يدينا أن سلطان فاس أبا العباس عجّز وشطّر بما نصه:"
البسيط
(يا بارقا بأعالي الرّقمتين بدا) ... للحظ في سُدفة الظلما له لهب
كم رُمتَ باللمع أن تحكي الثغور سنًا ... (لقد حكيتَ ولاكن فاتك الشنب)
فعارضنا القصد الذي قصده؛ بأن ارتجلنا إصلاحا لما أورده:
البسيط
(يا بارقا بأعالي الرّقمتين بدا) ... في مَفرَق الليل من لألائه لهب
أردت تحكي ثغورًا راق مَبسِمها ... (لقد حكيتَ ولاكن فاتك الشنب) " [3] "
(1) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 179
(2) - ابن أبي ربيعة، مرجع سابق، ص 160
(3) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 5