لئن قادهم يوما إلى الحتف مصرع ... وأوردهم للموردا لعذْب مشرع
لهم في جوار الله حزب مرفع ... كراما تسامَوْا والأسنة شُرع
ألا في سبيل الله ذُخرا ومغنما [1]
وإن كانوا قد تركوا الدنيا وانتهت حياتهم، فقد تركوا أعمالا خالدة، هي لهم عمرا آخر؛ فقد قدموا نفوسا عظيمة اشتروا بها ما عند الله من المكانة والجوار الأسمى
قضوا فئة طوع الجهاد رئيسة ... حوتْ أثرا مسموعة ومقيسة
فإن أصبحوا نهبًا وعادوا فريسة ... فما بذلوا إلا نفوسا نفيسة
ولم يقصدوا إلا الجناب المكرما [2]
يغلف المخمسةَ جوُّ الحزن والألمُ النفسي؛ وقد وضع يوسف الثالث المتلقي معه داخل الصورة التي صاغها باقتدار ورسمها بحرفية؛ فجعل المتلقي وكأنه يقف معه ينظر إلى السماء فيلقاها مظلمة حالكة ترتدي السواد حزنا وألما؛ وإذا ما جال المتلقي ببصره من حوله فلن يرى إلا بكاء السماء وذبول الرياض بعد أن كانت خضراء زاهية؛ كل هذا في فيض من التشبيهات والاستعارات التي تأخذ بلُبِّ وقلب المتلقي كما في: (سلوا الأفق الشرقي مما تجهّما؟) حيث شبه الأفق بإنسان نسأله، وحذف المشبه به وأبقى على بعض ما يدل عليه وهو السؤال (سلوا) وذلك على سبيل الاستعارة المكنية؛ وأيضا في (ولمَ قطرتْ أجفانُ مقلته دما؟) على نسق الاستعارة المكنية أيضا.
كما اتخد الطباق محسنا بديعيا يظهر المعنى ويبرزه كما في (أقول وهبهم أقدموا أو تراجعوا) إلا أن له دلالة واضحة وهي ثبات الأجر ومغفرة الذنب مهما فعلوا أو أخطأوا فشَفَعَ هذا التضاد بالدعاء قائلا: (سقى الله أشلاء كراما تتابعوا) .
(1) - المرجع السابق، ص 119
(2) - المرجع السابق