وأشار الجرجاني إلى تعريف الجاحظ السابق قائلا:"وليس العبارة عن ذلك بالصورة شيئا نحن ابتدأناه فيُنكرَه مُنكِر، بل هو مستعمَل مشهور في كلام العلماء، ويكفيك قول الجاحظ: وإنما الشعر صناعةٌ وضربٌ من التصوير" [1] .
وعندما قال الجرجاني:"واعلم أن قولنا"الصورة"، إنما هو تمثيل وقياس لما نعلمه بعقولنا على الذي نراه بأبصارنا" [2] : كان يشير إلى أن الصورة هي الشكل الذي تصاغ فيه المعاني سواء أكانت حقيقية أم مجازية، وأن المعنى الواحد قد يظهر في صور مختلفة تتفاضل فيما بينها، قائلا عن المعنى الواحد:"للمعنى في هذا صورة غير صورته في ذلك" [3] .
وقد أكثر من التحليل في كتابيه"دلائل الإعجاز، وأسرار البلاغة"في مفهوم الصورة والتصوير، وكان من أكثر النقاد بحثا ودراسة لهذا المصطلح؛ وكان من أهم ما أصّل له هو تحديده الإستعارة والتشبيه والتمثيل، وربْط الصورة الشعرية بالمجاز؛ وتحليله للمعاني الحقيقية والمجازية، والمعاني العقلية والتمثيلية.
أما الأدباء والنقاد المحدثون فعرّفوا الصورة الشعرية بتعريفات تتفق أكثر مما تختلف، ودارت حول تحليل وظيفتها لتقريبها إلى الأذهان.
فعصفور يرى:"إن الصورة هي الوسيط الأساسي الذي يستكشف به الشاعر تجربته، ويتفهمها كي يمنحها المعنى والنظام .. فالشاعر الأصيل يتوسل بالصورة ليعبّر بها عن حالات لا يمكن له أن يتفهمها، ويجسدها، بدون الصورة" [4] ؛ وهو بهذا التعريف للصورة يؤكد على"أن الأصل في الشعر هو المبدع قبل المتلقي، وأن القصيدة لن تحقق شيئا للمتلقي إلا إذا حققت ما يماثله للمبدع" [5] ؛ إذن فالصورة ليست زينة دخيلة على المعنى، أو أنها شيئ من الرفاهة يمكن الاستغناء عنه؛ بل هي أمر حتمي ووسيلة أساسية للكشف عن التجربة الشعورية للشاعر، وحالته الوجدانية يوم أن تعجز اللغة العادية عن ذلك.
(1) - الجرجاني، عبد القاهر، دلائل الإعجاز، تعليق محمود محمد شاكر، د. ط، (القاهرة، مطبعة المدني، 1984) ، ص 508
(2) - الجرجاني، دلائل الإعجاز، مرجع السابق، ص 508
(3) - المرجع السابق
(4) - عصفور، جابر، الصورة الفنية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب، ط 3، (بيروت، المركز الثقافي العربي، 1992) ، ص 383
(5) - المرجع السابق