فهرس الكتاب

الصفحة 229 من 317

شبه الشوق بالإلف، وشبه السهاد بالرفيق؛ ولكنه لم يأت بأداة تشبيه ولا بوجه الشبه على سبيل التشبيه البليغ أيضا، فتشبيه الشاعر للشوق بالإلف، وللسهاد بالرفيق فيه دلالة على مصاحبة الشوق والسهر له وملازمتهما إياه.

وفي هذا دلالة على الحالة النفسية المحزونة التي يعيشها الشاعر حين غدر به الأهل والأصحاب؛ وقد جعل (الشوق والسهاد) وهما صورتان معنويتان تشبه في ملازمتهما له صورة (الرفيق والإلف) وهي صورة مجسدة، فجاءت الصورة مركبة ومتداخلة بين ما هو معنوي وما هو حسي (جسدي) تعكس تجربة الشاعر المعقدة؛ وفي تشبيه آخر يقول:

الخفيف

أنا كالصِّلّ [1] ، إن لمستَ فليّن ... وهو سمّ متى أُهيجَ ذُعافُ [2]

شبه الشاعر نفسه بالحيّة ناعمة الملمس، ولكنها تحمل داخلها السم القاتل إذا ما غضبت، وهو كذلك في هدوءه ووقت صفائه يكون وديعا، لكن ألا فلا يغتر أحد بهذا المظهر فهو حين يغضب يُهلك من أمامه كالسّم الذي يقضي على الفريسة في لمح البصر.

في المثال السابق رأينا أن الشاعر أتى بأركان التشبيه مجتمعة من المشبه (أنا) والمشبه به (الصّلّ) والأداة (الكاف) ووجه الشبه (لين الملمس) ؛ كما أنه شبه محسوسا بمحسوس؛ وفي الشطر الثاني حذف الأداة فقط فهو تشبيه مؤكد (هو سمٌّ) ؛ في توظيف لصورة الحية للتعبير عن مجموعة من المعاني: الهدوء والوداعة مع سرعة الانقضاض والفتك، إلى حد تمازج صفاته بصورة الحية بكل مكوناتها في صورة كلية جاءت مركبة تجمع بين صورة معنوية صفات الشاعر وصورة الحية بما تحمله من صفات مادية ومعنوية؛ وفي مثال آخر:

الطويل

بليل كأن الشهبَ فيه فوارسٌ ... يُسلُّ عليها للبروق صفيح

(1) - الصِّلّ: الحيّة الصفراء، وهي من أخبث الحيات، تتميز بعنقها المبطط العريض الذي ينتفخ عند الغضب.

انظر: الفيروزآبادي، مرجع سابق، مادة"صلل"، ص 943؛ وعمر، مرجع سابق، مادة"صلل"، 2/ 1316

(2) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 145

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت