فهرس الكتاب

الصفحة 273 من 317

شديدان منسجمان مع الروي الذي تكرر بدوره أربع مرات؛ كل ذلك أضاف للدلالة المعنوية بعدا جماليا وتأكيدا لمعنى مكانة الحبيبة السامقة.

وإجمالا فالتوازي في المستويات: النحوي والعروضي، وفي مستوى التجانس الصوتي بين حروف (القاف، والكاف، والراء) وموقعها خلال البيت أنشأ داخل البيت موسيقى متكررة، ووقفات نغمية لها طلاوة من خلال التنوين والسكون .. وفي مثال ثالث:

البسيط

أضحى الفؤاد بسيف البين مجروحا ... ومَدْمَعُ العين فوق الخد مسفوحا [1]

البُعد موت؛ فقلب شاعرنا المجروح ودمعه المسفوح لهو دليل على ضعفه إزاء فراق شقيقة الروح؛ فعبر عن ذلك مصرعا بين لفظتي (مجروحا، ومسفوحا) ذواتي دلالة عاطفية قوية؛ وفي توازٍ عروضي جاءتا على وزن (فاعل) ؛ وتوازٍ صوتي بين القافية وحرف الروي المطلق (الحاء) ؛ وحرف (الحاء) هو نتاج اضطراب كموج البحر لمشاعر النفس فيخرج الصوت فيه بحة، دلالة على انفعال عاطفي ماسك للأنفاس؛ أما إذا أطلق الحرف بـ (ألف) وصل فدلالة على أن مشاعر الشوق والألم هي مشاعر مطلقة ليس لها حدود؛ وكونها جاءت صوت ممتد استطاع الشاعر أن يخرج فيه زفراته وحسراته؛ ومن جهة أخرى فمد الصوت وإطالته يحسن به السماع وتطرب له النفس وترق له القلوب.

واختار الشاعر البحر البسيط للقصيدة، وتفعيلاته محلاة بانبساط الحركات في عروضه وضربه، وفيه بقية من استفعالات الرجز ذات دندنة تمنع نغمه من أن يكون خالص الاختفاء وراء كلام الشاعر.

أدار الشاعر تلك السيمفونية باقتدار وفي تناغم تام بين مستويات متعددة؛ بين ما هو صوتي وصوري وعروضي، وكان كمن يجمع قطع الفسيفساء المنمقة ذات الألوان المتعددة حتى أبدع لوحة فنية رائعة الجمال ذات وحدة نفسية يكمل كل عنصر فيها الآخر.

(1) - المرجع السابق، ص 22

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت