يعطي المتلقي كل ما يطلبه من إيقاع وتنغيم وترنيم وجرس موسيقي وتجانس صوتي، وإثارة عاطفية وذهنية، أطلقها يوسف الثالث بقدرة وحسن صياغة.
صرَّع يوسف الثالث بـ (يذوبُ، ويثوبُ) اللفظتان متوازيتان على المستوى النحوي (فعل مضارع مرفوع + فاعل مستتر) ، وعلى المستوى العروضي فقد جاءتا على وزن مفاعي، وعلى المستوى الصوتي اتفقتا في جميع الحروف خلا حرفٍ واحدٍ (الذال، والثاء) ؛ هذا الاختلاف الصوتي أدّى لاختلاف الدلالة؛ فالأولى بمعنى التعذب؛ والثانية بمعنى يدل على العودة والتكرار؛ وقد استخدم يوسف الثالث أساليب عدة في ذلك البيت من تصريع وتصدير وجناس، في دلالة ظاهرة على قدرته وطول باعه في التلاعب بمفردات اللغة"فللغة في بنيان الشعر قيمة إيقاعية ومعنوية تَمنح الشاعر فيضا من العطاء، ويمنحها الشاعر من طاقاته الإبداعية، وحسه الصادق مذاقا خاصا، وهذا ما يجعلها أحيانا طوع يديه" [1] ؛ يستطيع أن يحرك القلب والعاطفة بسهولة ويسر ظاهرين.
هذا التوازي المتمثل في تشابه الكلمتين، مع اتحاد حرف الروي (الباء) الانفجارية وحركتها مع ما رأينا من تماثل تصويري للكلمتين وما بهما من دلالات معنوية كل ذلك أنشأ إيقاعا ونغما موسيقيا يشنف الآذان، ويحرك القلوب .. ويقول في النسيب:
الطويل
بقلبي غزالٌ ليس مسكنه القفرُ ... قريبٌ ولكنْ ليس يدركه الفكرُ [2]
يصف الشاعر حبيبته بأنها غزال مستقر في قلبه لكنه ومع قرب مكانه أبعد من أن تناله التصورات والأخيلة؛ أظهر الشاعر جمال المعنى بجمال لا يقل عنه هو جمال المبنى؛ فأتى بتصريع بين لفظتي (القفرُ، والفكرُ) فجاء التصريع متزن رنان أنشأ تناغما إيقاعيا لذيذا على المسامع؛ وجاء حرف الروي (الراء) صاحب حركة الضمة الذي أعطى جمالية إضافية حيث توجه وجهة التفخيم والاستعلاء بالإضافة إلى تكرار (الكاف) أربع مرات، وحرف (القاف) ثلاث مرات في البيت المصرّع وهما حرفان
(1) - كشك، أحمد، القافية تاج الإيقاع الشعري، ط 1، (الإسكندرية، دار غريب، 2004) ، ص 110
(2) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 79