والشرق ملتئم بفضلة سُدفة ... يحكي لشارب طر فوق عذاب [1]
في الأبيات السابقة؛ نجده أقام التوازي على (جائر، ساحر) ثم (مبتسم، ملتئم) وكلها اسم فاعل على وزن فاعل ثم مُفتعِل؛ وصيغة اسم الفاعل ليست للتناغم الإيقاعي فقط وإنما تفيد"الفعل الدائم"، أو الاستمرارية؛ وفي البيت الأول دلالة على ظلم الحبيب صاحب العين الساحرة، وتأكيدا على أن هذه الصفات ليست مكتسبة بل صفات أصيلة فُطِرَ الحبيب عليها؛ ثم البيت الثاني والثالث في وصف غرناطة يقول الشاعر: إن غرناطة بلغت الغاية جمالا وزينة في الماضي ولا زالت وستبقى كذلك في المستقبل - أو هكذا ظن الشاعر!
توافقت بنية التوازي بمستوياتها: النحوية التركيبية والصرفية والصوتية مع ثقافة يوسف الثالث ورقة شعرة وجمال صوره وعذوبة أسلوبه، فغص شعره بالتوازي وأنواعه، وأسهم التكرار والتضاد في بناء كثير من التوازيات.
ومن مُنشِئات الموسيقى الداخلية الجناس والطباق والتصدير كفنون من المحسنات البديعية، وقد تناولتها هذه الدراسة مع فن التكرار في مباحث سابقة.
فالجناس؛"يقوم على التكرار أو المماثلة أو المشابهة ولكنه على تنوعه عبارة عن اتفاق اللفظين في وجه من الوجوه، مع اختلاف معانيهما" [2] ، وموسيقى الجناس تنشأ من تكرار اللفظة، وإعادة الوحدة النغمية على أذن المتلقي مع تماثل الحروف وتشابهها فتوجد جرسا موسيقيا.
بقي التأكيد على أن الموسيقى الشعرية"ليست حلية خارجية زائدة على الشعر، إنما هي وسيلة من أقوى وسائل الإيحاء" [3] والتأثير في النفس وإمالة القلب ومن أظهرها للمعاني"وأقدرها للتعبير عن كل ما هو عميق وخفي في النفس مما لا يستطيع الكلام أن يعبر عنه" [4] ، ونؤكد على أن الشاعر الجيد
(1) - المرجع السابق، ص 9
(2) - حمدان، إبتسام أحمد، الأسس الجمالية للإيقاع البلاغي في العصر العباسي، مراجعة أحمد عبد الله فرهود، ط 1، (حلب، دار القلم العربي، 1997) ، ص 290
(3) - زايد، مرجع سابق، ص 154
(4) - المرجع السابق