الهجرات من مدن الأندلس المختلفة إلى دولة بني الأحمر؛ وبعد أن كانت مدن الأندلس في شبه الجزيرة الأيبرية مراكز حضارية للثقافة والعلم انحسرت سيادة المسلمين إلا عن غرناطة فقط.
عاشت مملكة غرناطة تحت حكم بني الأحمر عصرا ذهبيا ارتقت فيه سياسيا وحضاريا، انعكس ذلك على أشعارهم فتنوعت موضوعاتها وتشعبت مُثرية تراثنا الأدبي، فانتشر الشعر الحماسيّ والترغيب في الجهاد وحب الدين في وقت الفتوحات والحروب، وفي وقت الرخاء ورغد الحياة انتشر شعر التغني بالطبيعة ووصفها، والمدائح والخمريات، كما انتشر الشعر الديني والزهد والحِكَم.
ونرى أن أشعارَهُم المدحية، قد انصبَّت في أكثرها على بيانِ نَسَب ملوكهم، الذي يتصِل بالصحابيِّ الجليل سعد بن عبادة الأنصاري.
وقد جاءت أشعارهم رقيقةً عذبةً، فيها من لطيف الصور والأخيلة ما يبهج القلوبَ.
وعُني شعراؤهم بتزيينِ ألفاظهم، فكثر الجناسُ، والطباق، والاقتباس، وغيرُ ذلك من ألوان البيان والبديع، مما جعلَ ألفاظهم مناسبة للمعاني التي تطرقوا إليها، وتنوعوا في استخدام البحور الشعريةَ بما يتناسب ووَاقع الحالِ عندهم، وأكثروا من استخدامهم لبحور الكامل، والوافر، والطويل، والبسيط.
ومن أجمل ما قال ابن زيدون [1] في قصائده إلى"ولادة بنت المستكفي" [2] ، وأعمقها تأثيرا قوله:
إن الزمان الذي ما زال يضحكنا ... أنسًا بقربهم قد عاد يبكينا
(1) - الوزير الأجلُّ، ذو الوزارتين، أبو الوليد أحمد بن زيدون، (394 ه-463 ه) ذو الأدب البارع والشعر الرائع، أحد شعراء الأندلس المجيدين، أحب ولادة بنت المستكفي. انظر: المراكشي، أبو محمد، المُعجِب في تلخيص اخبار المَغرب، شرح صلاح الدين الهواري، ط 1، (بيروت، المكتبة العصرية، 2006) ، ص 79 - 85؛ والصفدي، مرجع سابق، 1/ 139 - 141
(2) - ولادة بنت الخليفة محمد بن عبد الرحمن الناصري المستكفي بالله، كانت في نساء اهل زمانها، واحدة أقرانها، حسنة المنظر والمخبر، يغشو أهل الادب إلى ضوء غرتها؛ شاعرة اديبة ناقدة، آية في الذكاء؛ كان لبن زيدون وأبي عامر ابن عبدوس يتنافسان على حبها والقرب منها. انظر: الشنتريني، ابن بسام الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة، تحقيق إحسان عباس، د. ط، (بيروت، دار الثقافة، 1997) ، 1/ 429 - 432