نكاد حين تناجيكم ضمائرنا ... يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت ... سودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا [1]
وأجمل ما في الغزل الأندلسي بجانب لطف التعبير، أن الصادق منه شديد التأثير، خاصة حين يبكي الشاعر ويحن في إيقاع غير متكلف، ويمثل ابن زيدون قمة هذا الاتجاه كما رأينا في رسالته إلى ولادة يسألها فيها أن تدوم على عهده ويتحسر على أيامهما الماضية؛ فكأنها ماثلة أمامه يخبرها أنه أنكر الزمان الذي يبكيه الآن وقد كان كثيرا ما أضحكه بقربه منها، ولولا السابقون وتأسِّيه بهم لقضى نحبه حزنًا عليها وشوقًا إليها، وأن أيامه اسودت بعد أن كانت لياليه مشرقة بوجودها معه.
ومن ديوان ابن زيدون أيضا نختار هذه الأبيات:
لَئِنْ فَاتَنِي مِنْكِ حَظُّ النَّظَرْ ... لَأكْتَفِيَنْ بِسَمَاعِ الخَبَرْ
وإنْ عَرَضَتْ غَفْلَةٌ للرْقيبِ ... فَحَسْبِيَ تَسْلِيمةٌ تُخْتَصَرْ
أُحَاذِرُ أن تَتَظَنَّى الوُشَاةُ ... وَقَدْ يُسْتَدَامُ الهَوَى بالحَذَرْ
وأصْبِرُ مُسْتَيْقُنًا أنّهُ ... سَيَحْظَى بِنَيْلِ المُنَى مَنْ صَبَرْ [2]
ففي سماعه اسم حبيبته وأخبارها سلوى ما دام لا يستطيع أن يراها، وإن سنحت له الفرصة في غفلة عين الرقيب، فيكفيه منها السلام المختصر، ويتجنب الوشاة كي لا ينقادوا إلى الظن، فقد يستمر الحب ويدوم مع الحذر، وسيصبر على حاله تلك مع يقينه أن مَنْ يصبر ينل ما يتمنى.
(1) - ابن زيدون، أبو الوليد أحمد بن عبد الله، ديوان ابن زيدون، شرح يوسف فرحات، ط 2، (بيروت، دار الكتاب العربي، 1994) ، ص 298
(2) - المرجع السابق، ص 104