والصورة في البيت الأخير بها حب دفين لزوجة اختطفها الموت وهي لا تزال في عمر الزهور، قد فرق الموت بينهما قبل أن يرتوي قلبه بحبها وقبل أن تشبع عينه من النظر إليها؛ واستخدم يوسف الثالث الطباق كمحسن بديعي لإظهار حالتيه قبل وبعد وفاة زوجته.
إلى أن يقول في نفس القصيدة:
الطويل
لَئِن أودعوها الثَّرَى فمحَلُّها ... مِنَ القَلْب محمِيٌّ بطولِ حياتِهِ
وهيهاتَ يمحُو الدّهرُ ثابتَ وُدِّها ... وما رسَمَتْ أيدي الهَوَى في حَصَاتِه
نراه في رثائه هذا يجمع بين الألم على الفقيدة والقلق على الوليد مع الصبر أمام الخطب الجليل كعادة الملوك؛ وفي هذا الجمع بين الأم والوليد أبلغ الأثر في نفس وقلب المتلقي.
وإبرازا لخلق التصبر لديه يقول عن وليده:
وفي المهد مبغومُ النداءِ كأنّه ... يقول وأين الفَهمُ من كلماتِه؟
يشير فندْرِي ما يُريدُ تَوهُّمًا ... ونَفهمُ شرحَ الحالِ مِنْ لحَظاتِهِ [1]
وتنتهي القصيدة بالعبرة والحكمة، بأن لا مهرب من الموت، ثم بالدعاء بأن يصبره الله ويمنحه الرضى والرضوان فبعد أحد عشر بيتا يقول:
ولكنَّنِي لم أُلْفِ للموت مَدفعا ... يرُدّ الذي قد خيف من سطواتِه
عسى الله بالصبر الجميل يُعينُنا ... ويمنحُها الرِّضوانَ بعضَ هباتِهِ [2]
(1) - الثالث، يوسف، الديوان، ص 16
(2) - المرجع السابق، ص 17