وقد روى الإمام مالك حديث خيار المجلس في الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا إلا بيع الخيار" [1] .
وأشار إلى سبب عدم أخذه لهذا الحديث قائلا:"وليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه." [2]
وقالوا إن المراد بالمتبايعين المتساومان وهذا تأويل بعيد؛ لأن الأصل في كلمة المتبايعين حقيقة البيع، وحمل الكلام على حقيقته أولى من حمله على ما لا يتبادر إلى الذهن.
وحملوا التفرق المذكور في الحديث على أنه التفرق بالأقوال، وهذا غير مستقيم؛ لأن حقيقة التفرق كامنة بالتفرق في الأبدان، وهذا مما فهمه راوي الحديث الصحابي الجليل عبد الله بن عمر - رضي الله عنه- ولذلك كان إذا باع أو اشترى وأراد انعقاد البيع مشى قليلا ثم رجع لينقطع بذلك مجلس العقد.
قال النووي في المجموع:"قال القاضي أبو الطيب والأصحاب: اعترض مالك وأبو حنيفة على هذه الأحاديث فإنها بلغتهما، فأما مالك فهو راوي حديث ابن عمر، وأما أبو حنيفة فقال ما قدمناه عنه الآن من قوله أرأيت لو كانا في سفينة فإنه لا يمكن تفرقهما، وأما مالك فقال العمل عندنا بالمدينة خلاف ذلك فإن فقهاء المدينة لا يثبتون خيار المجلس ومذهبه أن الحديث إذا خالف عمل أهل المدينة تركه" [3] .
(1) - البخاري في كتاب البيوع، باب كسب الرجل وعمله بيده (ج 3 رقم 532 ص 1114) ، وأبو داود في كتاب البيوع، باب في خيار المتبايعين (ج 3 رقم 3459 ص 273،274) ، والترمذي في كتاب البيوع باب ما جاء في البيعين بالخيار ما لم يتفرقا (ج 3 رقم 1246 ص 548) ، والنسائي في البيوع باب ما يجب على التجار من التوقية في مبايعتهم (ج 7 ص 244، 245) عن حكيم بن حزام.
(2) - موطأ مالك بن أنس، كتاب البيوع، باب بيع الخيار، (ج 2 ص 671) .
(3) - المجموع شرح المهذب، (ج 9 ص 186) .