فإذا ابن مسعود في ركب، فقلنا: لدغ صاحب لنا؟ فقال: اجعلوا بينكم وبين صاحبكم يوم أمارة، وليرسل بالهدي، فإذا نحر الهدي فليحل، وعليه العمرة [1] .
ومما استدل به أصحاب هذا القول ما رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن، وغيرهم، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري - رضي الله عنه - قال سمعت رسول الله- صلى الله عليه وسلم - يقول:"من كسر، أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى [2] ". فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق.
والراجح والله أعلم هو ما ذهب إليه الحنفية، وهو أن الإحصار يكون بالعدو وبغيره؛ لأنه موافق لظاهر الآية ولأن أهل اللغة متفقون على أن الإحصار يكون بالمرص، والحصر يكون بالعدو؛ ولأنه موافق لسماحة الإسلام فإن المريض الذي يشتد مرضه لا يمكنه إتمام المناسك. وقد اختار هذا القول ابن جرير الطبري حيث قال:"وأولى التأويلين بالصواب في قوله: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) تأويل من تأوله بمعنى: فإن أحصركم خوف عدو، أو مرض، أو علة من الوصول إلى البيت، أي صيّركم خوفكم أو مرضكم تحصرون أنفسكم. ولو كان معنى الآية ما ظنه المتأول من قوله: (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ) فإن حبسكم حابسٌ من العدو عن الوصول إلى البيت، لوجب أن يكون: فإن حصرتم" [3] .
وعن عائشة رضي الله عنها قالت:"دخل النبي - صلى الله عليه وسلم - على ضُباعة بنت الزبير بن عبد المطلب، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج وأنا"
(1) مصنف ابن أبي شيبة، كتاب الحج، في الرجل إذا أهل بعمرة فأحصر، (ج 3 ص 163 رقم 13078) .
(2) أخرجه الشافعي (2/ 78) ؛ أخرجه أحمد في المسند (ج 3 ص 450) ، وأبو داود في كتاب المناسك، باب الإحصار (ج 2 رقم 1862 ص 173) ، والترمذي في كتاب الحج، باب ما جاء في الذي يهل بالحج فيكسر أو يعرج (ج 3 رقم 940 ص 277) ، والنسائي في كتاب الحج، باب فيمن أحصر بعدو (ج 5، ص 198 - 199) ، وابن ماجة في كتاب المناسك، باب المحصر (ج 2 رقم 3077 ص 1028) ، وصححه ابن خزيمة والحاكم (ج 1 ص 482 - 483) .
(3) تفسير ابن جرير الطبري (ج 3 ص 348) .