وهكذا نجد أن القوم قد عادوا بنا إلى أصل الدعوى، وأصل الخلاف بإسقاط القول باللطف ووجوب العصمة، إقرارًا منهم بعدم جدوى الحلول المتمثلة عند القوم بوجوب النص من الله ورسوله صلى الله عليه وسلم على نصب الإمام بالتأويلات التي ذكرناها، إذ إن ذلك اللطف انتهى بوفاة العسكري، حيث عدنا إلى إلزامهم بالقول بالاضطرار إلى الحجة تمامًا كحال المسلمين بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، وذلك بإسقاط أحد الأمرين للآخر.
ومعنى ذلك أن وجوب اللطف من الله، والمتمثل في نصب إمام بعد الرسول صلى الله عليه وسلم قائم تمامًا بذات الأسباب بعد العسكري، وقد عرفت الحال بعده إلى يومنا هذا.
اقرأ معي هذه الروايات أيضًا: عن المغيرة قال: قلت لأبي عبدالله: يكون فترة لا يعرف المسلمون إمامهم فيها؟ قال: يقال ذلك، قلت: فكيف نصنع؟ قال: إذا كان ذلك فتمسكوا بالأمر الأول حتى يتبين لكم الآخر.
وفي رواية: إذا أصبحت وأمسيت يومًا لا ترى فيه إمامًا من آل محمد، فأحب من كنت تحب، وأبغض من كنت تبغض، ووال من كنت توالي، وانتظر الفرج صباحًا ومساءً.
وفي أخرى: كيف أنتم إذا صرتم في حال لا يكون فيها إمام هدى ولا علم يرى، فلا ينجو من تلك الحيرة إلا من دعا بدعاء الغريق، فقيل: هذا والله البلاء فكيف نصنع -جعلت فداك- حينئذٍ؟ قال: إذا كان ذلك ولن تدركه، فتمسكوا بما في أيديكم حتى يصح لكم الأمر.
وفي أخرى: تمسكوا بالأمر الأول الذي أنتم عليه حتى يتبين لكم (1) .
(1) غيبة النعماني: (105) ، الكافي: (1/342) ، البحار: (52/132، 148، 149) ، كمال الدين: (327، 328، 329) ، إثبات الهداة: (3/446، 474، 475، 534) .