ولم يفهم شيعته هذه العصمة التي يزعمها له القوم، وقد مر بك معاتبة أصحابه له على صلحه ومبايعته لمعاوية، فهذا يقول له: داهنت معاوية وصالحته، وقائل يقول: ما ينقضي تعجبنا من بيعتك معاوية ومعك أربعون ألف مقاتل من أهل الكوفة، كلهم يأخذ العطاء وهم على أبواب منازلهم، ومعهم مثلهم من أبنائهم وأتباعهم سوى شيعتك من أهل البصرة والحجاز، وذاك يسميه بمذل المؤمنين، وآخر يقول له: يا مسود وجه المؤمن، وآخر: سودت وجوه المؤمنين، وآخر: يا مذل المؤمنين.
وفي رواية: ومسود وجوه المؤمنين (1) .
وكذا كان شأن الحسين رضي الله عنه، فوصايا أبيه رضي الله عنه له كثيرة: بتقوى الله، وأن لا يبغي الدنيا وإن بغته، وأن لا يأسف على شيء منها زوي عنه، وأن يقول الحق، وأن يعمل للأجر، وأن يكون للظالم خصمًا وللمظلوم عونًا، وغيرها (2) .
وهدده مرة لما دعا رجلًا إلى المبارزة، فعلم به فقال: لئن عدت إلى مثل هذا لأعاقبنك، ولئن دعاك أحد إلى مثلها فلم تجبه لأعاقبنك، أما علمت أنه بغي (3) .
وجرى بينه وبين ابن الحنفية كلام، فكتب ابن الحنفية إلى الحسين رضي الله عنهما: أما بعد: يا أخي، فإن أبي وأباك علي، لا تفضلني فيه ولا أفضلك، وأمك بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان ملء الأرض ذهبًا ملك أمي ما وفت بأمك، فإذا قرأت كتابي هذا فصر إلي حتى تترضاني، فإنك أحق بالفضل مني، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته، ففعل الحسين ذلك، فلم يجر بعد ذلك بينهما شيء (4) .
وكتب إليه أخوه الحسن يلومه على إعطاء الشعراء، فكتب إليه: أنت أعلم مني بأن خير المال ما وقى العرض (5) .
(1) سبق تخريج جميع هذه الروايات في الباب الأول.
(2) انظر مثلًا: نهج البلاغة: (511) .
(3) الكافي: (5/35) ، التهذيب: (6/169) ، البحار: (33/446، 454) .
(4) المناقب: (4/73) ، البحار: (44/196) .
(5) كشف الغمة: (2/206) ، البحار: (44/195) .