فهرس الكتاب

الصفحة 508 من 685

وتفنن كل واحد منهم في جعل هذا الأصل الذي ذكرناه من الحديث بطريقته الخاصة، حتى جعلها البعض أقرب إلى الروايات القصصية منها إلى الهدي النبوي.

ولا نطيل في هذا، ولكن نشرع في بيان المطلوب.. فقد ذكرنا أن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث الغدير هو قوله الذي ذكرناه أو قريبًا منه، أما القوم فقد ملئُوا كتبهم من أن الله عز وجل قد حذَّر نبيه من كتمان أمر الوصية، حتى أنزل في ذلك قوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ ) ) [المائدة:67] ، فقام خطيبًا في الناس في غدير خم، وكان ذلك يوم الثامن عشر من ذي الحجة، وقال: من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، فأنزل الله عز وجل: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمْ الإِسْلامَ دِينًا ) ) [المائدة:3] .

فهذا موجز للقصة، وكما ذكرنا أنه لم يصح من قصتنا هذه إلا ما أثبتناه، أما الشطر الثاني من الحديث، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: وانصر من نصره، واخذل من خذله... فقد اضطربت طرق هذه الزيادة، ولا ينبغي لها أن تصح لمخالفتها الواقع، فإن الله عز وجل قد نصر من خذله -بزعم القوم- وخذل من نصره، فضلًا عن أن فيه عدم استجابة الله عز وجل لدعائه صلى الله عليه وسلم على افتراضه، ولا يهمنا الكلام في أسانيد هذه الزيادة؛ فليس فيها ما يستوجب ذلك، ولكن الذي يهمنا هنا -وقبل الكلام في وجه الدلالة فيه- هو بيان أنه لم يصح في قصة الغدير نزول شيء من كتاب الله، رغم استماتة القوم في إثبات ذلك، وإليك البيان:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت