وكيف يرضى بشتمهم وقد علم أن جده صلى الله عليه وسلم نهى أصحابه عن سب أبي جهل وهو من هو، فقال: يأتيكم عكرمة مؤمنًا مهاجرًا فلا تسبوا أباه، فإن سب الميت يؤذي الحي ولا يبلغ (1) .
وقال لأبيه: إن الله يا أباجهل إنما دفع عنك العذاب لعلمه بأنه سيخرج من صلبك ذرية طيبة عكرمة ابنك (2) .
وعكرمة رضي الله عنه أسلم بعد فتح مكة، فهل كان أبوجهل رأس الكفر كالصديق والفاروق وذي النورين وبقية المهاجرين والأنصار والأصحاب رضي الله عنهم؟!
وكيف يرضى بلعنهم وقد علم أن جده أمير المؤمنين رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا لعن آخر هذه الأمة أولها فليرتقب عند ذلك ثلاثة: الريح الحمراء، والخسف، والمسخ.. الحديث (3) .
فالأئمة كانوا يحبون أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جميعًا، بل قد رووا فضائلهم وأثنوا عليهم، ودافعوا عنهم، ولكن من ينتسب إلى هؤلاء الأئمة هم الذين يسبون، ووضعوا في ذلك روايات ونسبوها إلى الأئمة، ولم يستجيبوا للأئمة في ترك السب لهوى في نفوسهم والله حسيبهم ومجازيهم.
والحق أن هذه المسألة يطول فيها الكلام، ولو ذهبنا إلى إيراد كل ما ورد في فضل الصحابة رضي الله عنهم -من كتب القوم بطبيعة الحال- لطال بنا المقام وخرجنا عن موضوع الكتاب، ولكن فيما أوردناه في هذه العجالة كفاية لمن شرح الله صدره.
مما سبق تبين لك لِمَ أثنى الله على ذلك الجيل وهو أعلم بهم حين أثنى عليهم، فهل يصح بعد ذلك لمن يدعي حب آل البيت أن ينقل الروايات المكذوبة عنهم والتي تخالف القرآن ويردها العقل، ويترك تلك الروايات الصحيحة المنقولة عن الأئمة والتي هي موافقة لكتاب الله تعالى؟!!
(1) البحار: (21/144) ، المنتقى: فيما كان سنة ثمان من الهجرة.
(2) تفسير الإمام العسكري: (212) ، الاحتجاج: (18) ، البحار: (17/352) .
(3) الخصال: (2/91) ، البحار: (6/304، 305) (52/193) (77/157) ، كمال الدين: (477) ، أمالي الطوسي: (528) .