فهرس الكتاب

الصفحة 652 من 685

وهكذا.. وكأنهم بهذا يفتحون الباب لمبغضي الأمير رضي الله عنه لأن يقولوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالمبيت على فراشه ليلة الهجرة إلا ليقتله المشركون ظنًا منهم أنه النبي، فيستريح منه، ولو علم فيه خيرًا لاصطحبه معه.

ولو قيل بأن العبرة في ذلك أنه رضي الله عنه قد افتدى الرسول صلى الله عليه وسلم بنفسه، فيقال: ليس في الأمر افتداء، وذلك أن الأمير -كما يرى القوم- سيكون خليفة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمر موته مستبعد هنا فتنتفي الفضيلة المنسوبة إليه، وإن كان احتمال الموت قائمًا فقد أبطلوا القول بإمامته.

وهكذا تؤول سائر فضائله رضي الله عنه، فيقال مثلًا في قوله صلى الله عليه وسلم له: أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي: لو علم النبي صلى الله عليه وسلم في صحبته خيرًا أو لرأيه ومشورته منفعة لاصطحبه معه في تلك الغزوة -أي: غزوة تبوك- ففي هذه الغزوة لم يأذن لأحدٍ بالتخلف عنها وهي آخر مغازيه، ولم يجتمع معه أحد كما اجتمع له فيها، فلم يتخلف عنه إلا النساء والصبيان أو من هو معذور لعجزه عن الخروج أو من هو منافق، ولم يكن في المدينة رجال من المؤمنين يستخلف عليهم كما كان يستخلف في كل مرة، بل كان هذا الاستخلاف أضعف من الاستخلافات المعتادة؛ لأنه لم يبق في المدينة رجال من المؤمنين أقوياء يستخلف عليهم أحد كما كان يبقي في جميع مغازيه، وقد اصطحب النبي صلى الله عليه وسلم من يعظم انتفاعه به ومعاونته له، ويحتاج إلى مشاورته والانتفاع برأيه ولسانه ويده وسيفه، والمتخلف إذا لم يكن له في المدينة سياسة كثيرة لا يحتاج إلى هذا كله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت