ولا أظن أن القارئ يحتاج مني إلى تعليق، ولكن أُذكره أن تاريخ رواية بعض الثقات هو عشرون عامًا بعد البعثة.
وعلى أي حال، نترك مكة وقد فتحت، ونجمة الخليفة وقد نزلت، ونعود مع العائدين إلى المدينة لنكمل مشوارنا، ونقترب هذه المرة من أواخر أيامه صلى الله عليه وسلم خشية الإطالة ووفاءً بعهد الإيجاز الذي التزمنا به في المقدمة، يقول القوم: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعلي رضي الله عنه حين دنا موته: هذا وليكم من بعدي، فإن أطعتموه رشدتم (1) .
ويقولون: إنه حذَّر أمته بقوله -كما نسبوا رواية ذلك إلى الأمير رضي الله عنه-: ستكون بعدي فتنة مظلمة، الناجي منها من تمسك بالعروة الوثقى، فقيل: يا رسول الله، وما العروة الوثقى؟
قال: ولاية سيد الوصيين، قيل: ومن سيد الوصيين؟ قال: أمير المؤمنين، قيل: يا رسول الله، ومن أمير المؤمنين؟ قال: مولى المسلمين وإمامهم بعدي، قيل: يا رسول الله، من مولى المسلمين وإمامهم بعدك؟ قال: أخي علي بن أبي طالب (2) .
ولا أدري ماذا كان موقف علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو راوي الحديث، وقد رأى إخوانه يجهلون كونه العروة الوثقى، وسيد الوصيين، وأمير المؤمنين، ومولى المسلمين، وإمامهم بعد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأعجب منه موقف الرسول صلى الله عليه وسلم وحلمه مع هؤلاء الذين لم يعرفوا مَن لولاه لما خلقوا.
وأرى أن نعذرهم بضمان الرواية الآتية التي يرويها القوم عن علي بن أبي طالب -أيضًا- حيث يقول لطلحة: يا طلحة، أليس قد شهدت رسول الله حين دعا بالكتف ليكتب فيها ما لا تضل الأمة بعده ولا تختلف، فقال صاحبك ما قال: إن رسول الله يهجر، فغضب رسول الله وتركها؟
(1) الكافي: (1/253) ، البحار: (25/83) .
(2) البحار: (36/20) .