قال: بلى شهدته، قال: فإنكم لما خرجتم أخبرني رسول الله بالذي أراد أن يكتب فيها ويشهد عليه العامة، وإن جبرئيل أخبره بأن الله يعلم أن الأمة ستختلف وتفترق، ثم دعا بصحيفة فأملى عليَّ ما أراد أن يكتب بالكتف، وأشهد على ذلك ثلاثة رهط: سلمان الفارسي، وأبا ذر، والمقداد، وسمَّى من يكون من أئمة الهدى الذين أمر المؤمنين بطاعتهم إلى يوم القيامة، فسماني أولهم، ثم ابني هذا الحسن، ثم ابني هذا الحسين، ثم تسعة من ابني هذا الحسين (1) .
ففي الرواية دلالة على أن الأئمة لم يكونوا مسمَّيْن حتى ربيع الأول من سنة إحدى عشرة من الهجرة، حيث انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى، وبذلك نتبين موقف علي بن أبي طالب من الصحابة في الحديث السابق.
وفي الرواية فوائد أخرى سنتعرض لها في حينها، ولكن نأخذ منه الآن علة خوفه من أن تضل أمته بعده، مما اقتضى منه صلى الله عليه وسلم أن يكتب لهم هذا الكتاب.
فنقول: لا يخلو شأن أمته من أن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم قد بيَّن لهم الخليفة من بعده، ومن ثمَّ ليس لهذا الكتاب حاجة، أو أنه صلى الله عليه وسلم لم يكن قد نص بعد على خليفته من بعده، ففي الأخذ بأيهما إشكال لا يمكن توجيهه، ففي الأول خوف من أمرٍ قد فرغ منه، وتم تبيينه مرارًا كما مرَّ بك في هذا الفصل، فضلًا عما أوردناه في مقدمة الباب، مما يستوجب تكرارًا يستقبح صدور مثله عنه صلى الله عليه وسلم.
فإن قال قائل: لعلَّ ذلك منه صلى الله عليه وسلم إقامة للحجة على قومه وقد علم منهم مخالفتهم له بعد موته.
فيقال له: إن من عقد العزم على مخالفة كل تلك النصوص منذ بدء الدعوة لن يثنيه أو يغيره كتاب يُكتب في ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من الهجرة.
(1) غيبة النعماني: (52) ، البحار: (36/277) ، إثبات الهداة: (1/657، 668) .