ـــــــــــــــــــــــــــــ
إبراهيم، فأضمر نتبع لأن معنى كونوا هودا أو نصارى: اتبعوا ملة اليهود أو النصارى.
فالإظهار والإضمار جائزان في أمثال هذه المسائل قياسا [1] ؛ فإن كان الذي اقتصر فيه على المفعول مثلا، أو جاريا مجرى المثل في كثرة الاستعمال؛ امتنع الإظهار ولزم الاقتصار، فالمثل كقولهم: كلّ شيء ولا شتيمة [2] حرّ، أي ائت ولا ترتكب، وهذا ولا زعماتك [3] ، أي: ولا أتوهم وكليهما [4] وتمرا، أي: أعطني وزدني، والجاري مجرى المثل قولهم: حسبك خيرا لك، ووراءك أوسع لك، وقوله تعالى: فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ [5] ، انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ [6] .
قال سيبويه: وحذفوا الفعل لكثرة استعمالهم إياه في الكلام، ولعلم المخاطب أنه محمول على أمر حين قال: انته، فصار بدلا من قوله: ائت خيرا، قال: ونظير ذلك من الكلام قوله: انته أمرا قاصدا، كأنه قال: انته وائت أمرا قاصدا، إلا أن هذا يجوز لك فيه إظهار الفعل [7] ، يعني أن قول من قال: انته أمرا قاصدا، ليس مثل انته خيرا لك في كثرة الاستعمال، فلزم إضمار الفعل فيه، كما لزم إضمار الفعل في ذلك، وقد غفل الزمخشري عن كلام سيبويه فجعل انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ وانته أمرا قاصدا سواء [8] ، ومذهب الكسائي أن خَيْرًا منصوب بيكن محذوفا، والتقدير: يكن الانتهاء خيرا لكم [9] ، وردّ عليه الفراء بأن قال: لو صح هذا التقدير لجاز أن يقال: انته أخانا، على تقدير: تكن أخانا، وزعم هو أن التقدير: انتهوا انتهاء خيرا لكم، فحذف المصدر وأقيمت صفته مقامه [10] ، وهذا القول مردود بقولهم: حسبك خيرا لك، فإن تقدير مصدر هنا لا يحسن، وبقولهم: -
(1) ينظر: الكتاب (1/ 283 - 286) ، والهمع (1/ 168) ، والمطالع السعيدة (ص 272) ، والتذييل (3/ 95 - 97) .
(2) ذكره سيبويه في الكتاب (1/ 281) .
(3) الكتاب (1/ 280) .
(4) ينظر: مجمع الأمثال للميداني (2/ 151) ، والمستقصى (2/ 231) ، والفاخر (ص 149) ، والكتاب (1/ 280، 281) ، ويروى المثال أيضا برواية: «كلاهما وتمرا» ، وخرج سيبويه هذه الرواية بقوله: كأنه قال: كلاهما لي وزدني تمرا.
(5) سورة النساء: 170.
(6) سورة النساء: 171.
(7) الكتاب (1/ 283، 284) .
(8) الكشاف (1/ 200) .
(9) ينظر: التذييل (3/ 98) ، وإملاء ما من به الرحمن (1/ 204) ، ومجالس ثعلب (1/ 307) .
(10) معاني القرآن للفراء (1/ 295، 296) .