فبلغت الأبيات أبا البختري فبعث إليه بثلثمائة دينار، قال ابن عمار: فقلت له: قد فعل جد هذا الفتى في مثل هذا المعنى ما هو أحسن من هذا، قال: وما فعل قلت: بلغه أن رجلًا افتقر بعد ثروة، فقالت له امرأته: افترض في الجند، فقال:
إليك عني فقد كلفتني شططًا ... حمل السلاح وقول الدار عين قف
أمن رجال المنايا خلتني رجلًا ... أمسي وأصبح مشتاقًا إلى التلف
تمشي المنايا إلى غيري فأكرهها ... فكيف أمشي إليها بارز الكتف
حسبت أن نزال القرن من خلقي ... أو أن قلبي في جنبي أبي دلف فأحضره أبو دلف ثم قال: كم أملت امرأتك أن يكون رزقك قال: مائة دينار، قال: وكم أملت أن تعيش قال: عشرين سنة، قال: فذلك على ما أملت امرأتك في مالنا دون مال السلطان، وأمر بإعطائه إياه، قال: فرأيت وجه ابن أبي دلف يتهلل، وانكسر ابن أبي البختري انكسارًا شديدًا، انتهى كلام صاحب الأغاني في هذا الفصل، وقد سبق في ترجمة أبي دلف القاسم بن عيسى العجلي ذكر هذه الأبيات وقائلها وصورة الحال (1) ، وبينها وبين هذه الرواية اختلاف يسير.
(298) وأما الأبيات الأولى التي في أبي البختري، فهي لأبي عبد الرحمن محمد بن عبد الرحمن بن عطية العطوي الشاعر المشهور (2) ، ونسبته - بالعطوي - إلى جده عطية المذكور، وهو من البصرة من موالي بني ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، وكان معتزليًا، وله ديوان شعر.
وروى الخطيب أيضًا في تاريخه (3) أن أبا البختري، قال: لأن أكون في قوم أعلم مني أحب إلي من أن أكون في قوم أنا أعلم منهم لأني إن كنت أعلمهم لم أستفد وإن كنت مع من هم أعلم مني استفدت.
وروى أيضًا في تاريخه (4) أن هارون الرشيد لما قدم المدينة أعظم أن يرقى منبر
(1) انظر ج 4: 75.
(2) معجم المرزباني: 377.
(3) ص: 452.
(4) المصدر نفسه.