فهرس الكتاب

الصفحة 4911 من 9093

محمدُ بن المُثنَّى. قالوا: حدَّثنا أبو مُعاويةَ، قال: حدَّثنا الأعمشُ، عن شَقيقٍ (١) أبي وائل، عن مسرُوقٍ، عن عائشةَ، قالت: ما ترَكَ رسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - دينارًا، ولا دِرهمًا، ولا شاةً، ولا بَعِيرًا، ولا أوْصَى بشيءٍ.

قال أبو عُمر: أمّا تَرْكُهُ - صلى الله عليه وسلم - الوصيَّةَ، ونَدْبُهُ أُمّتَه إليها، فإنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - ليسَ كأحدٍ من أُمَّتِهِ في هذا؛ لأنَّ ما تَخلَّفَهُ هُو فصَدَقةٌ، قال - صلى الله عليه وسلم -: "إنّا لا نُورَثُ، ما ترَكنا فهُو صَدَقةٌ" (٢) . وإذا كان ما يُخلِّفُهُ صَدَقةً، فكيفَ يُوصِي منهُ بثُلثٍ؟ أو كيفَ يُشَبَّهُ في ذلك بغير، وغيرُهُ لا تجُوزُ لهُ الوصيَّةُ، خاصَّةً وما تخلَّفَهُ هُو - صلى الله عليه وسلم - بعدَ فصدقةٌ كلُّهُ، على ما قال - صلى الله عليه وسلم -؟

ووجهٌ آخرُ، وهُو قولُ الله عزَّ وجلَّ: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ} [البقرة: ١٨٠] ، والخيرُ هاهُنا: المالُ، لا خِلافَ بينِ أهلِ العِلم في ذلكَ، ومِثلُ قولِهِ عزَّ وجلَّ: {إِنْ تَرَكَ خَيْرًا} [البقرة: ١٨٠] ، وقولِهِ: {وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ} [العاديات: ٨] . وقولِه: {إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ} [ص: ٣٢] . وقولِه: {فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا} (٣) [النور: ٣٣] . الخيرُ في هذه الآياتِ كلِّها: المالُ، وكذلك قولُهُ عزَّ وجلَّ حاكيًا عن شُعيبِ - صلى الله عليه وسلم -: {إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ} [هود: ٨٤] ، يعني الغِنَى.

ورسُولُ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يترُك دينارًا ولا دِرهمًا، ولا بعيرًا ولا شاةً، وقال: "ما ترَكتُ بعدي صَدَقةٌ" (٤) ، وقال: "إنّا مَعْشَر الأنبياءِ لا نُورَثُ، ما ترَكنا فهُو صَدَقةٌ" . وقد مَضَى تفسيرُ ذلك في بابِ ابن شِهاب، عن عُروةَ، من كِتابِنا هذا، والحمدُ للّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت