وَأَمَّا حَدِيثُ عُمَرَ: أَنَّهُ كَانَ كَالزِّنْجِيِّ بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ"فَكَذِبٌ مُخْتَلَقٌ نَعَمْ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أَقْرَبَ النَّاسِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَوْلَاهُمْ بِهِ وَأَعْلَمَهُمْ بِمُرَادِهِ لِمَا يَسْأَلُونَهُ عَنْهُ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَكَلَّمُ بِالْكَلَامِ الْعَرَبِيِّ الَّذِي يَفْهَمُهُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَيَزْدَادُ الصِّدِّيقُ بِفَهْمِ آخَرَ يُوَافِقُ مَا فَهِمُوهُ وَيَزِيدُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُخَالِفُهُ. مِثْلُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ {أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ: إنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. فَاخْتَارَ ذَلِكَ الْعَبْدُ مَا عِنْدَ اللَّهِ. فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ. وَقَالَ: بَلْ نَفْدِيك بِأَنْفُسِنَا وَأَمْوَالِنَا فَجَعَلَ بَعْضُ النَّاسِ يَعْجَبُ وَيَقُولُ: عَجَبًا لِهَذَا الشَّيْخِ يَبْكِي أَنْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ قَالَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُخَيَّرُ. وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ} . فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ عَبْدًا مُطْلَقًا وَهَذَا كَلَامٌ عَرَبِيٌّ لَا لُغْزَ فِيهِ فَفَهِمَ الصِّدِّيقُ لِقُوَّةِ مَعْرِفَتِهِ بِمَقَاصِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ هُوَ الْعَبْدُ الْمُخَيَّرُ وَمَعْرِفَةُ أَنَّ الْمُطْلَقَ هَذَا الْمُعَيَّنَ خَارِجٌ عَنْ دَلَالَةِ اللَّفْظِ لَكِنْ يُوَافِقُهُ وَلَا يُخَالِفُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ أَبُو سَعِيدٍ: كَانَ أَبُو بَكْرٍ أَعْلَمَنَا بِهِ. وَمِنْ هَذَا أَنَّ الصِّدِّيقَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لَمَّا عَزَمَ عَلَى قِتَالِ مَانِعِي الزَّكَاةِ قَالَ لَهُ عُمَرُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ؟ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ} . فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ. الزَّكَاةُ مِنْ حَقِّهَا وَاَللَّهِ؛ لَأُقَاتِلَن مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ؛ وَاَللَّهُ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا كَانُوا يُؤَدُّونَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَاتَلْتهمْ عَلَى مَنْعِهَا. فَرَجَعَ عُمَرُ وَغَيْرُهُ إلَى قَوْلِ أَبِي بَكْرٍ. وَكَانَ هُوَ أَفْهَمَ لِمَعْنَى كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ؛ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ} فَهَذَا النَّصُّ الصَّرِيحُ مُوَافِقٌ لِفَهْمِ أَبِي بَكْرٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ لِعُمَرِ مِثْلُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ كَثِيرٌ. فَأَمَّا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِكَلَامِ لَا يَفْهَمُهُ عُمَرُ وَأَمْثَالُهُ بَلْ يَكُونُ عِنْدَهُمْ كَكَلَامِ الزِّنْجِيِّ. فَمَنْ اعْتَقَدَ هَذَا فَهُوَ جَاهِلٌ ضَالٌّ عَلَيْهِ مِنْ اللَّهِ مَا يَسْتَحِقُّهُ."
فَصْلٌ أَوَّلُ مَا فِي الْحَدِيثِ سُؤَالُهُ عَنْ"الْإِسْلَامِ": فَأَجَابَهُ بِأَنَّ {الْإِسْلَامَ أَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ وَتَحُجَّ الْبَيْتَ} وَهَذِهِ الْخَمْسُ هِيَ الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ {بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامِ رَمَضَانَ وَحَجِّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا} . وَهَذَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ أَنْ فَرَضَ اللَّهُ الْحَجَّ فَلِهَذَا ذَكَرَ الْخَمْسَ: وَأَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ لَا يُوجَدُ فِيهَا ذِكْرُ الْحَجِّ فِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ {آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ. أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصِيَامُ رَمَضَانَ وَأَنْ تُعْطُوا مِنْ الْمَغْنَمِ الْخُمُسَ} .