وإذعان المخالفين فيحصل في بعضهم بذلك وفي بعضهم بالجزية وفي الآخرين بالمهادنة قال وأيضا الاحتمال قائم في أن ضرب الجزية كان بعد هذا القول قلت بل الظاهر أن الحديث المذكور متقدم على مشروعية أخذ الجزية وسقوط القتال بها فحينئذ تكون اللام للجنس كما ذكرنا وأيضا المراد من وضع الجزية أن يضطروا إلى الإسلام وسبب السبب سبب فيكون التقدير حتى يسلموا أو يعطوا الجزية ولكنه اكتفى بما هو المقصود الأصلي من خلق الخلائق وهو قوله عز وجل وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (الذاريات 56) أو نقول إن المقصود هو القتال أو ما يقوم مقامه وهو أخذ الجزية أو المقصود هو الإسلام منهم أو ما يقوم مقامه في دفع القتال وهو إعطاء الجزية وكل هذه التأويلات لأجل ما ثبت بالإجماع سقوط القتال بالجزية فافهم قوله فإذا فعلوا ذلك قد قلنا إن ذلك مفعول فعلوا فإن قلت المشار إليه بعضه قول فكيف إطلاق الفعل عليه قلت إما باعتبار أنه عمل اللسان وإما على سبيل التغليب للاثنين على الواحد قوله وحسابهم على الله على سبيل التشبيه أي هو كالواجب على الله في تحقق الوقوع وذلك أن لفظة على مشعرة بالإيجاب في عرف الاستعمال ولا يجب على الله شيء وكأن الأصل فيه أن يقال وحسابهم الله أو إلى الله وأما عند المعتزلة فهو ظاهر لأنهم يقولون بوجوب الحساب عقلا والمعنى أن أمور سرائرهم إلى الله تعالى وأما نحن فنحكم بالظاهر فنعاملهم بمقتضى ظاهر أقوالهم وأفعالهم أو معناه هذا القتال وهذه العصمة إنما هو من الأحكام الدنيوية وهو مما يتعلق بنا وأما الأمور الأخروية من دخول الجنة والنار والثواب والعقاب وكميتهما وكيفيتهما فهو مفوض إلى الله تعالى لا دخل لنا فيها
(بيان استنباط الأحكام) وهو على وجوه الأول قال النووي يستدل بالحديث على أن تارك الصلاة عمدا معتقدا وجوبها يقتل وعليه الجمهور قلت لا يصح هذا الاستدلال لأن المأمور به هو القتال ولا يلزم من إباحة القتال إباحة القتل لأن باب المفاعلة يستلزم وقوع الفعل من الجانبين ولا كذلك القتل فافهم ثم اختلف أصحاب الشافعي هل يقتل على الفور أم يمهل ثلاثة أيام الأصح الأول والصحيح أنه يقتل بترك صلاة واحدة إذا خرج وقت الضرورة لها وأنه يقتل بالسيف وهو مقتول حدا وقال أحمد في رواية أكثر أصحابه عنه تارك الصلاة عمدا يكفر ويخرج من الملة وبه قال بعض أصحاب الشافعي فعلى هذا له حكم المرتد فلا يغسل ولا يصلى عليه وتبين منه امرأته وقال أبو حنيفة والمزني يحبس إلى أن يحدث توبة ولا يقتل ويلزمهم أنهم احتجوا به على قتل تارك الصلاة عمدا ولم يقولوا بقتل مانع الزكاة مع أن الحديث يشملها ومذهبهم أن مانع الزكاة تؤخذ منه قهرا ويعزر على تركها وسئل الكرماني ههنا عن حكم تارك الزكاة ثم أجاب بأن حكمهما واحد ولهذا قاتل الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة فإن أراد أن حكمهما واحد في المقاتلة فمسلم وإن أراد في القتل فممنوع لأن الممتنع من الزكاة يمكن أن تؤخذ منه قهرا بخلاف الصلاة أما إذا انتصب صاحب الزكاة للقتال لمنع الزكاة فإنه يقاتل وبهذه الطريقة قاتل الصديق رضي الله عنه مانعي الزكاة ولم ينقل أنه قتل أحدا منهم صبرا ولو ترك صوم رمضان حبس ومنع الطعام والشراب نهارا لأن الظاهر أنه ينويه لأنه معتقد لوجوبه كما ذكر في كتب الشافعية الثاني قال النووي يستدل به على وجوب قتال مانعي