فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 592

اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: فَإِذْ قَدْ بَطَلَ هَذَا الْقَوْلُ فَإِنَّا نَقُولُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ: إنَّهُ قَدْ صَحَّ - عَلَى مَا ذَكَرْنَا - فِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم {مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ إنْ اسْتَطَاعَ} فَكَانَ هَذَا أَمْرًا بِالْأَدَبِ عَلَى مَنْ أَتَى مُنْكَرًا - وَالِامْتِنَاعُ مِنْ الصَّلَاةِ، وَمِنْ الطَّهَارَةِ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ، وَمِنْ صِيَامِ رَمَضَانَ، وَمِنْ الزَّكَاةِ، وَمِنْ الْحَجِّ، وَمِنْ أَدَاءِ جَمِيعِ الْفَرَائِضِ كُلِّهَا وَمِنْ كُلِّ حَقٍّ لِآدَمِيٍّ - بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ - كُلُّ ذَلِكَ مُنْكَرٌ، بِلَا شَكٍّ وَبِلَا خِلَافٍ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ ; لِأَنَّ كُلَّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَالْحَرَامُ مُنْكِرٌ بِيَقِينٍ. فَصَحَّ بِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إبَاحَةُ ضَرْبِ كُلِّ مَنْ ذَكَرْنَا بِالْيَدِ. وَصَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ لَا يَضْرِبَ فِي التَّعْزِيرِ أَكْثَرُ مِنْ عَشَرَةٍ عَلَى مَا نُورِدُ فِي"بَابِ كَمْ يَكُونُ التَّعْزِيرُ"إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. فَإِذْ ذَلِكَ كَذَلِكَ فَوَاجِبٌ أَنْ يُضْرَبَ كُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا عَشْرَ جَلَدَاتٍ فَإِنْ أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْ صَلَاةٍ أَوْ غَيْرِهَا، فَقَدْ بَرِئَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِنْ تَمَادَى عَلَى الِامْتِنَاعِ فَقَدْ أَحْدَثَ مُنْكَرًا آخَرَ بِالِامْتِنَاعِ الْآخَرِ، فَيُجْلَدُ أَيْضًا عَشْرًا - وَهَكَذَا أَبَدًا، حَتَّى يُؤَدِّيَ الْحَقَّ الَّذِي عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى أَوْ يَمُوتَ - غَيْرَ مَقْصُودٍ إلَى قَتْلِهِ - وَلَا يُرْفَعُ عَنْهُ الضَّرْبُ أَصْلًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُ الصَّلَاةِ وَتَدْخُلَ أُخْرَى فَيُضْرَبُ لِيُصَلِّيَ الَّتِي دَخَلَ وَقْتُهَا، وَهَكَذَا أَبَدًا إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ، فَإِذَا خَرَجَ وَقْتُ الْعَتَمَةِ تُرِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى صَلَاةٍ مَا خَرَجَ وَقْتُهَا - ثُمَّ يُجَدَّدُ عَلَيْهِ الضَّرْبُ إذَا دَخَلَ وَقْتُ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا - ثُمَّ يُتْرَكَ إلَى أَوَّلِ الظُّهْرِ، وَيَتَوَلَّى ضَرْبَهُ مَنْ قَدْ صَلَّى، فَإِذَا صَلَّى غَيْرُهُ خَرَجَ هَذَا إلَى الصَّلَاةِ وَيَتَوَلَّى الْآخَرُ ضَرْبَهُ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ - حَتَّى يَتْرُكَ الْمُنْكَرَ الَّذِي يُحْدِثُ أَوْ يَمُوتُ، فَالْحَقُّ قَتْلُهُ، وَهُوَ مُسْلِمٌ مَعَ ذَلِكَ - وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.

وقال ابن العربي:

الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قوله تعالى: {الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} .

فِيهَا مَسْأَلَتَانِ: الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى: قَالَ عُلَمَاؤُنَا رحمهم الله: {كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فِي الْحَرْبِ، وَلَمْ تَحِلَّ لَهُ الدِّمَاءُ} ، إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالدُّعَاءِ إلَى اللَّهِ، وَالصَّبْرِ عَلَى الْأَذَى، وَالصَّفْحِ عَنْ الْجَاهِلِ [مُدَّةَ عَشَرَةَ أَعْوَامٍ، لِإِقَامَةِ حُجَّةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَوَفَاءً بِوَعْدِهِ الَّذِي امْتَنَّ بِهِ بِفَضْلِهِ فِي قَوْلِهِ: {وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا} فَاسْتَمَرَّ الطُّغْيَانُ وَمَا اسْتَدَلُّوا بِوَاضِحِ الْبُرْهَانِ] . وَكَانَتْ قُرَيْشٌ قَدْ اضْطَهَدَتْ مَنْ اتَّبَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ حَتَّى فَتَنُوهُمْ عَنْ دِينِهِمْ، وَنَفَوْهُمْ عَنْ بِلَادِهِمْ، فَهُمْ بَيْنَ مَفْتُونٍ فِي دِينِهِ، وَمُعَذِّبٍ، وَبَيْنَ هَارِبٍ فِي الْبِلَادِ مُغَرَّبٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ خَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَبَرَ عَلَى الْأَذَى، فَلَمَّا عَتَتْ قُرَيْشٌ عَلَى اللَّهِ، وَرَدُّوا أَمْرَهُ وَكَرَامَتَهُ، وَكَذَّبُوا نَبِيَّهُ، وَعَذَّبُوا مَنْ آمَنَ بِهِ وَعَبَدَهُ وَوَحَّدَهُ، وَصَدَّقَ نَبِيَّهُ، وَاعْتَصَمَ بِدِينِهِ، أَذِنَ اللَّهُ لِرَسُولِهِ فِي الْقِتَالِ وَالِامْتِنَاعِ وَالِانْتِصَارِ مِمَّنْ ظَلَمَهُمْ وَبَغَى عَلَيْهِمْ ; فَكَانَتْ أَوَّلُ آيَةٍ أُنْزِلَتْ فِي إذْنِهِ لَهُ بِالْحَرْبِ وَإِحْلَالِهِ لَهُ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت