الْإِقْرَارِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ} . قَالُوا: هَذَا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ إقْرَارِ الْمَرْءِ عَلَى نَفْسِهِ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ، إنَّهُ لَا يُقْبَلُ الْإِقْرَارُ حَتَّى يَقُولَ الْمُقِرُّ"أَشْهَدُ عَلَى نَفْسِي"وَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ شَهَادَةً. قَالَ شَيْخُنَا: فَاشْتِرَاطُ لَفْظِ"الشَّهَادَةِ"لَا أَصْلَ لَهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَلَا سُنَّةِ رَسُولِهِ، وَلَا قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ، وَلَا يَتَوَقَّفُ إطْلَاقُ لَفْظِ"الشَّهَادَةِ"لُغَةً عَلَى ذَلِكَ، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. وَعَلَى هَذَا: فَلَيْسَ الْإِخْبَارُ طَرِيقًا آخَرَ غَيْرَ طَرِيقِ الشَّهَادَةِ.
بَابُ كَيْفِيَّةِ الْقِتَالِ
(وَإِذَا دَخَلَ الْمُسْلِمُونَ دَارَ الْحَرْبِ، فَحَاصَرُوا مَدِينَةً أَوْ حِصْنًا دَعَوْهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ) لِمَا رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما {أَنَّ النَّبِيَّ عليه الصلاة والسلام مَا قَاتَلَ قَوْمًا حَتَّى دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ} . قَالَ (فَإِنْ أَجَابُوا كَفُّوا عَنْ قِتَالِهِمْ) لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ: وَقَدْ قَالَ صلى الله عليه وسلم: {أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ} الْحَدِيثَ. (وَإِنْ امْتَنَعُوا دَعَوْهُمْ إلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ) بِهِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ عليه الصلاة والسلام أُمَرَاءَ الْجُيُوشِ، وَلِأَنَّهُ أَحَدُ مَا يَنْتَهِي بِهِ الْقِتَالُ عَلَى مَا نَطَقَ بِهِ النَّصُّ، وَهَذَا فِي حَقِّ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ، وَمَنْ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ كَالْمُرْتَدِّينَ وَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ لَا فَائِدَةَ فِي دُعَائِهِمْ إلَى قَبُولِ الْجِزْيَةِ ; لِأَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} . (فَإِنْ بَذَلُوهَا فَلَهُمْ مَا لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ) لِقَوْلِ عَلِيٍّ رضي الله عنه: إنَّمَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ، لِيَكُونَ دِمَاؤُهُمْ كَدِمَائِنَا، وَأَمْوَالُهُمْ كَأَمْوَالِنَا. وَالْمُرَادُ بِالْبَذْلِ الْقَبُولُ وَكَذَا الْمُرَادُ بِالْإِعْطَاءِ الْمَذْكُورِ فِيهِ فِي الْقُرْآنِ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
بَابُ كَيْفِيَّةِ الْقِتَالِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ: رُوِيَ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم مَا قَاتَلَ قَوْمًا حَتَّى دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ} قُلْت: رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي"مُصَنَّفِهِ"حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: {مَا قَاتَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَوْمًا حَتَّى دَعَاهُمْ} انْتَهَى. وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي"الْمُسْتَدْرَكِ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ"، وَقَالَ: حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ انْتَهَى. وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي"مُسْنَدِهِ"، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي"مُعْجَمِهِ"، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. أَحَادِيثُ الْبَابِ: رَوَى أَحْمَدُ فِي"مُسْنَدِهِ"حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ثَنَا أَبُو حُبَابٍ الْكَلْبِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ هَانِئِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ {فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ، قَالَ: أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَاتِلُ بِمُقْبِلِ قَوْمِي مُدْبِرَهُمْ؟ قَالَ: نَعَمْ، فَلَمَّا وَلَّيْت دَعَانِي، فَقَالَ: لَا تُقَاتِلْهُمْ حَتَّى تَدْعُوَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ} ، مُخْتَصَرٌ. {حَدِيثٌ آخَرُ} : وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي"مُصَنَّفِهِ"أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ عَنْ يَحْيَى بْنِ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ عَلِيٍّ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لَهُ حِينَ بَعَثَهُ: لَا تُقَاتِلْ قَوْمًا حَتَّى تَدْعُوَهُمْ} انْتَهَى. {حَدِيثٌ آخَرُ} : رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي"مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ"مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ عَنْ إسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ {أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ عَلِيًّا إلَى قَوْمٍ يُقَاتِلُهُمْ} ، وَقَالَ لَهُ، إلَى آخِرِهِ وَقَالَ: لَمْ يَرْوِهِ عَنْ إسْحَاقَ، إلَّا عُمَرُ بْنُ ذَرٍّ. {حَدِيثٌ آخَرُ} : أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي"مُسْنَدِهِ"، وَالْحَاكِمُ فِي"الْمُسْتَدْرَكِ"عَنْ حَمَّادٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي