تفريغ الاستثناء إذ هو شرطه أي لا يجوز إهدار دمائهم واستباحة أموالهم بسبب من الأسباب إلا بحق الإسلام والتحقيق فيه أن الاستثناء المفرغ لا يكون إلا في النفي وقال ابن مالك بجوازه في كل موجب في معنى النفي نحو صمت إلا يوم الجمعة إذ معناه لم أفطر والتفريغ إما في نهي صريح كقوله تعالى ولا تقولوا على الله إلاالحق (النساء 171) وفيما هو بمعناه كالشرط في قوله تعالى ومن يولهم يومئذ دبره إلا متحرفا لقتال (الأنفال 16) وأما في نفي صريح كقوله تعالى وما محمد إلا رسول (آل عمران 144) أو فيما هو بمعناه كقوله تعالى فهل يهلك إلا القوم الفاسقون (الأحقاف 35) ثم الإضافة في بحق الإسلام يجوز أن تكون بمعنى اللام ويجوز أن تكون بمعنى من وبمعنى في على ما لا يخفى قوله وحسابهم كلام إضافي مبتدأ وعلى الله خبره والمعنى حسابهم بعد هذه الأشياء على الله في أمر سرائرهم
(بيان المعاني والبيان) قوله أمرت أقيم فيه المفعول مقام الفاعل لشهرة الفاعل ولتعينه بذلك إذ لا آمر للرسول غير الله تعالى والتقدير أمرني الله تعالى بأن أقاتل الناس وكذلك إذا قال الصحابي أمرنا بكذا يفهم منه أن الآمر هو الرسول إذ لا آمر بينهم إلا الرسول لأنه هو المشرع وهو المبين وأما إذا قال التابعي أمرنا بكذا فإن ذلك محتمل وقال الكرماني إذا قال الصحابي أمرنا بكذا فهم منه أن الرسول عليه السلام هو الآمر له فإن من اشتهر بطاعة رئيسه إذا قال ذلك فهم منه أن الرئيس أمره به وفائدة العدول عن التصريح دعوى اليقين والتعويل على شهادة العقل وقال بعضهم وقياسه في الصحابي إذا قال أمرت فالمعنى أمرني رسول الله من حيث إنهم مجتهدون والحاصل أن من اشتهر بطاعة رئيس إذا قال ذلك فهم منهم أن الآمر له ذلك الرئيس قلت خذ كلام الكرماني وقلب معناه لأن الكرماني جعل قوله فإن من اشتهر بطاعة رئيس إلى آخره علة لقوله فهم منه أن الرسول عليه السلام هو الآمر له وهذا القائل أوقع هذه العلة حاملا وداعيا وهو عكس المقصود وقوله أيضا من حيث إنهم مجتهدون لا دخل له في الكلام لأن الحيثية تقع قيدا وهذا القيد غير محتاج إليه ههنا لأنا قلنا إن الصحابي إذا قال أمرت معناه أمرني رسول الله من حيث إنه هو الآمر بينهم وهو المشرع وليس المعنى أمرني رسول الله من حيث إني مجتهد وهذا كلام في غاية السقوط قوله أقاتل الناس إنما ذكر باب المفاعلة التي وضعت لمشاركة الإثنين لأن الدين إنما ظهر بالجهاد والجهاد لا يكون إلا بين اثنين والألف واللام في الناس للجنس يدخل فيه أهل الكتاب الملتزمين لأداء الجزية قلت هؤلاء قد خرجوا بدليل آخر مثل حتى يعطوا الجزية (التوبة 29) ونحوه ويدل عليه رواية النسائي بلفظ أمرت أن أقاتل المشركين قال الكرماني والناس قالوا أريد به عبدة الأوثان دون أهل الكتاب لأن القتال يسقط عنهم بقبول الجزية قلت فعلى هذا تكون اللام للعهد ولا عهد إلا في الخارج والتحقيق ما قلنا ولهذا قال الطيبي هو من العام الذي خص منه البعض لأن القصد الأولي من هذا الأمر حصول هذا المطلوب لقوله تعالى وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (الذاريات 56) فإذا تخلف منه أحد في بعض الصور لعارض لا يقدح في عمومه ألا ترى أن عبدة الأوثان إذا وقعت المهادنة معهم تسقط المقاتلة وتثبت العصمة قال ويجوز أن يعبر بمجموع الشهادتين وفعل الصلاة والزكاة عن إعلاء كلمة الله تعالى