فهرس الكتاب

الصفحة 341 من 592

يتفق العقلاء جميعًا على ضرورة ترتيب الإنسان لأولوياته في الحياة، بحيث يقدم الضروريات على الحاجيات والحاجيات على الكماليات، ويبدأ بالأهم قبل المهم وبالمهم قبل الأقل أهمية.

وإذا كان غير المسلم يجهد نفسه للتعرف على رتب الأشياء التي ينبغي عليه القيام بها والمحافظة عليها، لأنه أسير ما تنتجه العقول البشرية القاصرة والمتناقضة في أهوائها ورغباتها، ولأنه لم يستنر بنور الوحي الإلهي، فإن المسلم في راحة وعافية مما ابتلى به غيره، فالوحي الإلهي رسم له طريق سعادته بكل تفصيلاتها، ورتب له أهدافه وغاياته بكل دقة ووضوح، وملخصها أن يعمل الإنسان بكل إمكاناته وطاقاته من أجل مرضات الله وذلك باتباع أوامره واجتناب نواهيه، وعلى رأس هذه الأوامر تحقيق توحيد الله واعتقاد تفرده بصفات الربوبية من الخلق والرزق والملك والتدبير والتصرف والنفع والضر والأحياء والإماتة والحكم والتشريع وعلم الغيب وإثبات صفات الكمال له وتنزيهه عما لا يليق بجلاله، وإفراده بجميع أنواع العبادة بحيث لا يصرف شيء منها لغير الله، وبمقابل ذلك البراءة من الشرك وأهله، وإعلان العداوة لكل الطواغيت الذي ينازعون الله حقوقه في الربوبية والألوهية ويفترون عليه الكذب.

هذه هي أهم قضية يجب أن يعيش لأجلها المسلم وأن يقدمها على كل ما عداها من قضايا، وأن يضحي من أجلها بالغالي والرخيص، وأما سائر أحكام الدين من الصلاة والصيام والزكاة والحج والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد وإقامة الدولة الإسلامية فما هي إلا متممات ولوازم لقضية التوحيد الأولى، والأدلة على صحة ما تقدم أكثر من أن تحصى إذ العقيدة بمثابة الأعمدة والأساس والركائز لكل بناء وكما أنه لا يقوم بناء بدون قواعد فكذلك لا دين بلا عقيدة ولذلك اتفقت كلمة الأنبياء جميعًا على البدء بها قال تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)

وقال: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أن لا إله إلا أنا فاعبدون)

وقال: (وإلى عاد أخاهم هودًا قال يا قومي اعبدوا الله مالكم من إله غيره)

وقال: (وإلى ثمود أخاهم صالحًا قال يا قومي اعبدوا الله مالكم من إله غيره)

وقال: (وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قومي اعبدوا الله مالكم من إله غيره)

وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم يمضي عشر سنوات من المرحلة المكية ولا هم له إلا الدعوة إلى توحيد الله ونبذ الشرك وتحمل في سبيل ذلك كافة صنوف الأذى والابتلاء ولم يقبل أي تنازل أو مساومة أو مهادنة ورفض كل العروض التي قدمت له في هذا الصدد، ولما قدم المدينة أعلن أن الله أمره أن يعلن الحرب على أهل الشرك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت