بَيْنَنَا وَبَيْنَك هَذَا الْحَيَّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ يَعْنُونَ بِذَلِكَ أَهْلَ نَجْدٍ: مِنْ تَمِيمٍ وَأَسَدٍ وغطفان لِأَنَّهُمْ بَيْنَ الْبَحْرِينِ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ وَعَبْدُ الْقَيْسِ هُمْ مِنْ رَبِيعَةَ لَيْسُوا مِنْ مُضَرَ وَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ زَالَ هَذَا الْخَوْفُ وَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ أَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ؛ وَصِيَامِ رَمَضَانَ؛ وَخُمُسِ الْمَغْنَمِ؛ وَلَمْ يَامُرْهُمْ بِالْحَجِّ وَحَدِيثُ ضِمَامَ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْحَجَّ كَمَا لَمْ يَذْكُرْهُ فِي حَدِيثِ طَلْحَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا مَعَ قَوْلِهِمْ: إنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ هِيَ مِنْ قِصَّةِ ضِمَامٍ وَهَذَا مُمْكِنٌ؛ مَعَ أَنَّ تَارِيخَ قُدُومِ ضِمَامٍ هَذَا لَيْسَ مُتَيَقَّنًا. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِ ذَلِكَ وَذَلِكَ يُوجِبُ إتْمَامَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ دَخَلَ فِيهِ فَنَزَلَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ لَمَّا أَحْرَمُوا بِالْعُمْرَةِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ ثُمَّ أُحْصِرُوا فَأُمِرُوا بِالْإِتْمَامِ وَبَيَّنَ لَهُمْ حُكْمَ الْإِحْصَارِ وَلَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ لَا عُمْرَةٌ وَلَا حَجٌّ. (الْجَوَابُ الثَّانِي: أَنَّهُ كَانَ يَذْكُرُ فِي كُلِّ مَقَامٍ مَا يُنَاسِبُهُ فَيَذْكُرُ تَارَةً الْفَرَائِضَ الظَّاهِرَةَ الَّتِي تُقَاتَلُ عَلَى تَرْكِهَا الطَّائِفَةُ الْمُمْتَنِعَةُ كَالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَيُذْكَرُ تَارَةً مَا يَجِبُ عَلَى السَّائِلِ فَمَنْ أَجَابَهُ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ زَكَاةٌ يُؤَدِّيهَا وَمَنْ أَجَابَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ: فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَبْلَ فَرْضِ الْحَجِّ وَهَذَا هُوَ الْوَاجِبُ فِي مِثْلِ حَدِيثِ عَبْدِ الْقَيْسِ وَنَحْوِهِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ مِمَّنْ لَا حَجَّ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ فَلَهُمَا شَانٌ لَيْسَ لِسَائِرِ الْفَرَائِضِ؛ وَلِهَذَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْقِتَالَ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ؛ بِخِلَافِ الصَّوْمِ فَإِنَّهُ أَمْرٌ بَاطِنٌ وَهُوَ مِمَّا ائتمن عَلَيْهِ النَّاسُ فَهُوَ مِنْ جِنْسِ الْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ مِنْ الْجَنَابَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُؤْتَمَنُ عَلَيْهِ الْعَبْدُ؛ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يُمْكِنُهُ أَلَّا يَنْوِيَ الصَّوْمَ وَأَنْ يَاكُلَ سِرًّا كَمَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَكْتُمَ حَدَثَهُ وَجَنَابَتَهُ وَأَمَّا الصَّلَاةُ وَالزَّكَاةُ فَأَمْرٌ ظَاهِرٌ لَا يُمْكِنُ الْإِنْسَانُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ ذَلِكَ. وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُ فِي الْإِسْلَامِ الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ الَّتِي يُقَاتَلُ عَلَيْهَا النَّاسُ وَيَصِيرُونَ مُسْلِمِينَ بِفِعْلِهَا؛ فَلِهَذَا عَلَّقَ ذَلِكَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ دُونَ الصِّيَامِ وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ وَاجِبًا كَمَا فِي آيَتَيْ بَرَاءَةٌ فَإِنَّ بَرَاءَةٌ نَزَلَتْ بَعْدَ فَرْضِ الصِّيَامِ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ. وَكَذَلِكَ {لَمَّا بَعَثَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ: إنَّك تَاتِي قَوْمًا أَهْلَ كِتَابٍ؛ فَلْيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ: شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوك لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ؛ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ؛ فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوك لِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ} أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. وَمُعَاذٌ أَرْسَلَهُ إلَى الْيَمَنِ فِي آخِرِ الْأَمْرِ بَعْدَ فَرْضِ الصِّيَامِ؛ بَلْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ بَلْ بَعْدَ تَبُوكَ وَبَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ وَالْجِزْيَةِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاتَ وَمُعَاذٌ بِالْيَمَنِ وَإِنَّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ وَلَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الصِّيَامَ لِأَنَّهُ تَبَعٌ وَهُوَ بَاطِنٌ وَلَا ذَكَرَ الْحَجَّ؛ لِأَنَّ وُجُوبَهُ خَاصٌّ لَيْسَ بِعَامِّ وَهُوَ لَا يَجِبُ فِي الْعُمُرِ إلَّا مَرَّةً.
فَصْلٌ يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَرْسَلَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى جَمِيعِ الثَّقَلَيْنِ: الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الْإِيمَانَ بِهِ وَبِمَا جَاءَ بِهِ وَطَاعَتَهُ وَأَنْ يُحَلِّلُوا مَا حَلَّلَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيُحَرِّمُوا مَا حَرَّمَ