وكذلك دفعه إلى أهبان بن صيفي سيفا وقوله قاتل به المشركين فإذا رأيت المسلمين قد اقتتلوا فاكسره فإن كسره لسيفه وإن كان محدثا حيث لم يكن المسلمون يكسرون سيوفهم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن هو بأمره صلى الله عليه وسلم
ومن هذا الباب قتال أبي بكر لمانعي الزكاة فإنه وإن كان بدعة لغوية من حيث إن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقاتل أحدا على إيتاء الزكاة فقط لكن لما قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله وقد علم أن الزكاة من حق لا إله إلا الله فلم يعصم مجرد قولها من منع الزكاة كما بينه في الحديث الآخر الصحيح حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وهذا باب واسع
والضابط في هذا والله أعلم أن يقال إن الناس لا يحدثون شيئا إلا لأنهم يرونه مصلحة إذ لو اعتقدوه مفسدة لم يحدثوه فإنه لا يدعو إليه عقل ولا دين فما رآه المسلمون مصلحة نظر في السبب المحوج إليه فإن كان السبب المحجوج إليه أمرا حدث بعد النبي صلى الله عليه وسلم لكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم من غير تفريط منا فهنا قد يجوز إحداث ما تدعو الحاجة إليه وكذلك إن كان المقتضي لفعله قائما على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم لكن تركه النبي صلى الله عليه وسلم لمعارض قد زال بموته
مدارج السالكين ... [جزء 3 - صفحة 443]
فصل قال صاحب المنازل باب التوحيد قال الله تعالى شهد الله أنه
لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم التوحيد تنزيه الله عز وجل عن الحدث وإنما نطق العلماء بما نطقوا به وأشار المحققون بما أشاروا به في هذا الطريق لقصد تصحيح التوحيد وما سواه من حال أو مقام فكله مصحوب بالعلل
قلت التوحيد أول دعوة الرسل وأول منازل الطريق وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله تعالى قال تعالى لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره وقال هود لقومه اعبدوا الله مالكم من إله غيره وقال صالح لقومه اعبدوا الله مالكم من إله غيره وقال شعيب لقومه اعبدوا الله مالكم من إله غيره وقال تعالى ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت
فالتوحيد مفتاح دعوة الرسل ولهذا قال النبي لرسوله معاذ ابن جبل رضي الله عنه وقد بعثه إلى اليمن إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله وحده فإذا شهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة وذكر الحديث وقال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ولهذا كان الصحيح أن أول واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك كما هي أقوال لأرباب الكلام المذموم
فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا كما قال النبي من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة فهو أول واجب وآخر واجب فالتوحيد أول الأمر وآخره