فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 592

قَتْلِ غَيْرِ الْمُصَلِّينَ - مَا نَعْلَمُ لَهُمْ حُجَّةً فِي إبَاحَةِ قَتْلِ مَنْ لَا يُصَلِّي غَيْرَ هَذَا - وَكُلُّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ، عَلَى مَا نُبَيِّنُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى: أَمَّا الْآيَةَ - فَإِنَّ نَصَّهَا قِتَالُ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ. وَلَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ مِنْ الْأُمَّةِ فِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَزَلْ يَدْعُو الْمُشْرِكِينَ إلَى الْإِيمَانِ حَتَّى مَاتَ - إلَى رِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَرَامَتِهِ - وَأَنَّهُ فِي كُلِّ ذَلِكَ لَمْ يَثْقَفْ مَنْ أَجَابَهُ إلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى يَاتِيَ وَقْتُ صَلَاةٍ فَيُصَلِّيَ، ثُمَّ حَتَّى يَحُولَ الْحَوْلُ فَيُزَكِّيَ، ثُمَّ يُطْلِقُهُ - هَذَا مَا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ عَلَى دَفْعِهِ. وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ: فَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ، وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ - رضي الله عنهما - فَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إلَّا الْمَنْعُ مِنْ قَتْلِ الْوُلَاةِ مَا صَلُّوا وَلَسْنَا مَعَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْقِتَالِ، وَإِنَّمَا نَحْنُ مَعَهُمْ فِي مَسْأَلَةِ الْقَتْلِ صَبْرًا وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ جَازَ قَتْلُهُ إذَا قُدِرَ عَلَيْهِ قُتِلَ - قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأُصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} إلَى قوله تعالى: {الْمُقْسِطِينَ} فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقِتَالِ الْبُغَاةِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ إلَى أَنْ يَفِيئُوا، ثُمَّ حَرَّمَ قَتْلَهُمْ إذَا فَاءُوا. وَهَكَذَا كُلُّ مَنْ مَنَعَ حَقًّا مِنْ أَيِّ حَقٍّ كَانَ - وَلَوْ أَنَّهُ فِلْسٌ - وَجَبَ عَلَيْهِ لِلَّهِ تَعَالَى، أَوْ لِآدَمِيٍّ، وَامْتَنَعَ دُونَ أَدَائِهِ فَإِنَّهُ قَدْ حَلَّ قِتَالُهُ ; لِأَنَّهُ بَاغٍ عَلَى أَخِيهِ، وَبَاغٍ فِي الدِّينِ. وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ امْتَنَعَ مِنْ عَمَلٍ لِلَّهِ تَعَالَى لَزِمَهُ وَامْتَنَعَ دُونَهُ، وَلَا فَرْقَ، فَإِذَا قُدِرَ عَلَيْهِمْ أُجْبِرُوا عَلَى أَدَاءِ مَا عَلَيْهِمْ بِالتَّعْزِيرِ وَالسَّجْنِ. كَمَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِيمَنْ أَتَى مُنْكَرًا فَلَا يُزَالُ يُؤَدَّبُ حَتَّى يُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ أَوْ يَمُوتَ - غَيْرَ مَقْصُودٍ إلَى قَتْلِهِ - وَحَرُمَتْ دِمَاؤُهُمْ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَتَارِكُ الصَّلَاةِ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ، إنْ امْتَنَعَ قُوتِلَ، وَإِنْ لَمْ يَمْتَنِعْ لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ نَصٌّ وَلَا إجْمَاعٌ، بَلْ يُؤَدَّبُ حَتَّى يُؤَدِّيَهَا أَوْ يَمُوتَ كَمَا قُلْنَا - غَيْرَ مَقْصُودٍ إلَى قَتْلِهِ - وَلَا فَرْقَ. فَصَحَّ أَنَّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ - حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ، وَحَدِيثُ عَوْفٍ - إنَّمَا هُوَ فِي بَابِ الْقِتَالِ لِلْأَئِمَّةِ، لَا فِي بَابِ الْقَتْلِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ لَا يُصَلِّي. وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ"لَعَلَّهُ يُصَلِّي"فَإِنَّمَا فِيهِ الْمَنْعُ مِنْ قَتْلِ مَنْ يُصَلِّي، وَلَيْسَ فِيهِ قَتْلُ مَنْ لَا يُصَلِّي أَصْلًا، بَلْ هُوَ مَسْكُوتٌ عَنْهُ، وَإِذَا سَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ حُكْمٍ فَلَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَهُ عليه السلام مَا لَمْ يَقُلْ، فَيَكْذِبُ عَلَيْهِ، وَيُخْبِرُ عَنْ مُرَادِهِ بِمَا لَا عِلْمَ لَهُ بِهِ فَيَتَبَوَّأَ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَأَمَّا {نَهَيْتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ} و"أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْهُمْ"فَنَعَمْ، لَا يَحِلُّ قَتْلُ مُصَلٍّ إلَّا بِنَصٍّ وَارِدٍ فِي قَتْلِهِ، وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِقَتْلِ مَنْ لَيْسَ مُصَلِّيًا إذَا أَقَرَّ بِالصَّلَاةِ، أَصْلًا. وَقَدْ قُلْنَا: إنَّهُ لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُنْسَبَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا لَمْ يَقُلْ. وَيُقَالُ لِمَنْ جَسَرَ عَلَى هَذَا: أَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم هَذَا الَّذِي تَقُولُ؟ فَإِنْ قَالَ: نَعَمْ، كُذِّبَ جِهَارًا، وَإِنْ قَالَ: لَمْ يَقُلْ، لَكِنَّهُ دَلَّ عَلَيْهِ؟ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ دَلِيلُك عَلَى ذَلِكَ؟ فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى دَلِيلٍ أَصْلًا، إلَّا ظَنَّهُ الْكَاذِبَ - فَلَمْ يَبْقَ لَهُمْ دَلِيلٌ أَصْلًا، لَا مِنْ قُرْآنٍ، وَلَا مِنْ سُنَّةٍ وَلَا مِنْ إجْمَاعٍ، وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ، وَلَا قِيَاسٍ، وَلَا رَايٍ صَحِيحٍ - وَمَا كَانَ هَكَذَا مِنْ الْأَقْوَالِ فَهُوَ خَطَأٌ بِلَا شَكٍّ؟ قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ رحمه الله: وَهَذَا الْكَلَامُ كُلُّهُ إنَّمَا هُوَ مَعَ مَنْ قَالَ بِقَتْلِهِ، وَهُوَ عِنْدَهُ غَيْرُ كَافِرٍ - وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِتَكْفِيرِهِ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا، فَلَيْسَ هَذَا مَكَانُ الْكَلَامِ فِيهِ مَعَهُمْ، فَسَيَقَعُ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ مُتَقَصًّى فِي"كِتَابِ الْإِيمَانِ"مِنْ الْجَامِعِ إنْ شَاءَ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت