الْحِكْمَةِ أَنْ يَنْهَى اللَّهُ عَنْ التَّوْحِيدِ وَالصِّدْقِ وَالْعَدْلِ وَيَامُرُ بِالشِّرْكِ وَالْكَذِبِ وَالظُّلْمِ أَمْ لَا؟ وَتَكَلَّمَ النَّاسُ فِي تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الظُّلْمِ هَلْ هُوَ مُنَزَّهٌ عَنْهُ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ أَمْ الظُّلْمُ مُمْتَنِعٌ لِنَفْسِهِ لَا يُمْكِنُ وُقُوعُهُ؟ وَتَكَلَّمُوا فِي مَحَبَّةِ اللَّهِ وَرِضَاهُ وَغَضَبِهِ وَسَخَطِهِ هَلْ هِيَ بِمَعْنَى إرَادَتِهِ أَوْ هِيَ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ الْمَخْلُوقُ أَمْ هَذِهِ صِفَاتٌ أَخَصُّ مِنْ الْإِرَادَةِ؟ وَتَنَازَعُوا فِيمَا وَقَعَ فِي الْأَرْضِ مِنْ الْكُفْرِ وَالْفُسُوقِ وَالْعِصْيَانِ هَلْ يُرِيدُهُ وَيُحِبُّهُ وَيَرْضَاهُ كَمَا يُرِيدُ وَيُحِبُّ سَائِرَ مَا يَحْدُثُ؟ أَمْ هُوَ وَاقِعٌ بِدُونِ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ وَهُوَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَهْدِيَ ضَالًّا وَلَا يُضِلَّ مُهْتَدِيًا؟ أَمْ هُوَ وَاقِعٌ بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ؟ وَلَا يَكُونُ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يُرِيدُ وَلَهُ فِي جَمِيعِ خَلْقِهِ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ وَهُوَ يُبْغِضُهُ وَيَكْرَهُهُ وَيَمْقُتُ فَاعِلَهُ وَلَا يُحِبُّ الْفَسَادَ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَلَا يُرِيدُهُ الْإِرَادَةَ الدِّينِيَّةَ الْمُتَضَمِّنَةَ لِمَحَبَّتِهِ وَرِضَاهُ وَإِنْ أَرَادَهُ الْإِرَادَةَ الْكَوْنِيَّةَ الَّتِي تَتَنَاوَلُ مَا قَدَّرَهُ وَقَضَاهُ؟ وَفُرُوعُ هَذَا الْأَصْلِ كَثِيرَةٌ لَا يَحْتَمِلُ هَذَا الْمَوْضِعُ اسْتِقْصَاءَهَا. وَلِأَجْلِ تَجَاذُبِ هَذَا الْأَصْلِ وَوُقُوعِ الِاشْتِبَاهِ فِيهِ صَارَ النَّاسُ فِيهِ إلَى التَّقْدِيرَاتِ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي سُؤَالِ السَّائِلِ وَكُلِّ تَقْدِيرٍ قَالَ بِهِ طَوَائِفُ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْرِ الْمُسْلِمِينَ. (فَالتَّقْدِيرُ الْأَوَّلُ هُوَ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ خَلَقَ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَمَرَ بِالْمَامُورَاتِ لَا لِعِلَّةِ وَلَا لِدَاعٍ وَلَا بَاعِثٍ بَلْ فَعَلَ ذَلِكَ لِمَحْضِ الْمَشِيئَةِ وَصَرْفِ الْإِرَادَةِ وَهَذَا قَوْلُ كَثِيرٍ مِمَّنْ يُثْبِتُ الْقَدَرَ وَيَنْتَسِبُ إلَى السُّنَّةِ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ وَالْفِقْهِ وَغَيْرِهِمْ. وَقَدْ قَالَ بِهَذَا طَوَائِفُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَقَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ"نفاة الْقِيَاسِ فِي الْفِقْهِ"الظَّاهِرِيَّةِ كَابْنِ حَزْمٍ وَأَمْثَالِهِ. وَمِنْ حُجَّةِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُ لَوْ خَلَقَ الْخَلْقَ لِعِلَّةِ لَكَانَ نَاقِصًا بِدُونِهَا مُسْتَكْمِلًا بِهَا؛ فَإِنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ وُجُودُ تِلْكَ الْعِلَّةِ وَعَدَمُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ سَوَاءً أَوْ يَكُونُ وُجُودُهَا أَوْلَى بِهِ. فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ امْتَنَعَ أَنْ يَفْعَلَ لِأَجْلِهَا وَإِنْ كَانَ الثَّانِي ثَبَتَ أَنَّ وُجُودَهَا أَوْلَى بِهِ فَيَكُونُ مُسْتَكْمِلًا بِهَا فَيَكُونُ قَبْلَهَا نَاقِصًا. وَمِنْ حُجَّتِهِمْ مَا ذَكَرَهُ السَّائِلُ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ إنْ كَانَتْ قَدِيمَةً وَجَبَ تَقْدِيمُ الْمَعْلُولِ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ الغائية وَإِنْ كَانَتْ مُتَقَدِّمَةً عَلَى الْمَعْلُولِ فِي الْعِلْمِ وَالْقَصْدِ - كَمَا يُقَالُ: أَوَّلُ الْفِكْرَةِ آخِرُ الْعَمَلِ وَأَوَّلُ الْبُغْيَةِ آخِرُ الدَّرْكِ. وَيُقَالُ إنَّ الْعِلَّةَ الغائية بِهَا صَارَ الْفَاعِلُ فَاعِلًا - فَلَا رَيْبَ أَنَّهَا مُتَأَخِّرَةٌ فِي الْوُجُودِ عَنْهُ؛ فَمَنْ فَعَلَ فِعْلًا لِمَطْلُوبِ يَطْلُبُهُ بِذَلِكَ الْفِعْلِ كَانَ حُصُولُ الْمَطْلُوبِ بَعْدَ الْفِعْلِ فَإِذَا قُدِّرَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَطْلُوبَ الَّذِي هُوَ الْعِلَّةُ قَدِيمًا كَانَ الْفِعْلُ قَدِيمًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. فَلَوْ قِيلَ: إنَّهُ يَفْعَلُ لِعِلَّةِ قَدِيمَةٍ لَزِمَ أَنْ لَا يَحْدُثَ شَيْءٌ مِنْ الْحَوَادِثِ وَهُوَ خِلَافُ الْمُشَاهَدَةِ وَإِنْ قِيلَ إنَّهُ فَعَلَ لِعِلَّةِ حَادِثَةٍ لَزِمَ مَحْذُورَانِ: (أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ مَحَلًّا لِلْحَوَادِثِ؛ فَإِنَّ الْعِلَّةَ إذَا كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْهُ فَإِنْ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ مِنْهَا حُكْمٌ امْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ وُجُودُهَا أَوْلَى بِهِ مِنْ عَدَمِهَا وَإِذَا قُدِّرَ أَنَّهُ عَادَ إلَيْهِ مِنْهَا حُكْمٌ كَانَ ذَلِكَ حَادِثًا فَتَقُومُ بِهِ الْحَوَادِثُ. (الْمَحْذُورُ الثَّانِي أَنَّ ذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ التَّسَلْسُلَ مِنْ وَجْهَيْنِ (أَحَدُهُمَا أَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ الْحَادِثَةَ الْمَطْلُوبَةَ بِالْفِعْلِ هِيَ أَيْضًا مِمَّا يُحْدِثُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِ عِلَّةٍ لَزِمَ الْعَبَثُ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنْ كَانَتْ لِعِلَّةِ عَادَ التَّقْسِيمُ فِيهَا فَإِذَا كَانَ كُلُّ مَا أَحْدَثَهُ أَحْدَثَهُ لِعِلَّةِ وَالْعِلَّةُ مِمَّا أَحْدَثَهُ لَزِمَ تَسَلْسُلُ الْحَوَادِثِ (الثَّانِي أَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ إمَّا أَنْ تَكُونَ مُرَادَةً لِنَفْسِهَا أَوْ لِعِلَّةِ أُخْرَى فَإِنْ كَانَتْ مُرَادَةً لِنَفْسِهَا امْتَنَعَ حُدُوثُهَا لِأَنَّ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِذَاتِهِ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ لَا يُؤَخِّرُ إحْدَاثَهُ وَإِنْ