فهرس الكتاب

الصفحة 225 من 592

بَسَطْت هَذَا الْمَعْنَى فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ؛ وَذَكَرْت دَعْوَةَ الْأَنْبِيَاءِ؛ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ أَنَّهُ جَاءَ بِالطَّرِيقِ الْفِطْرِيَّةِ كَقَوْلِهِمْ: {أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} ؟ وَقَوْلِ مُوسَى: {رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} وَقَوْلِهِ فِي الْقُرْآنِ: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} {الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا} بَيَّنَ أَنَّ نَفْسَ هَذِهِ الذَّوَاتِ آيَةٌ لِلَّهِ؛ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ أَوَّلًا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى ذَيْنِك الْمَقَامَيْنِ؛ وَلَمَّا وَبَّخَهُمْ بَيَّنَ حَاجَتَهُمْ إلَى الْخَالِقِ بِنُفُوسِهِمْ؛ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَحْتَاجَ إلَى مُقَدِّمَةٍ كُلِّيَّةٍ: هُمْ فِيهَا وَسَائِرُ أَفْرَادِهَا سَوَاءٌ؛ بَلْ هُمْ أَوْضَحُ. وَهَذَا الْمَعْنَى قَرَّرْته مَبْسُوطًا فِي غَيْرِ هَذَا. الْوَجْهُ الثَّانِي: فِي مُفَارَقَةِ الطَّرِيقَةِ الْقُرْآنِيَّةِ الْكَلَامِيَّةِ إنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِعِبَادَتِهِ الَّتِي هِيَ كَمَالُ النُّفُوسِ وَصَلَاحُهَا وَغَايَتُهَا وَنِهَايَتُهَا لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِقْرَارِ بِهِ كَمَا هُوَ غَايَةُ الطَّرِيقَةِ الْكَلَامِيَّةِ فَلَا وَافَقُوا لَا فِي الْوَسَائِلِ وَلَا فِي الْمَقَاصِدِ فَإِنَّ الْوَسِيلَةَ الْقُرْآنِيَّةَ قَدْ أَشَرْنَا إلَى أَنَّهَا فِطْرِيَّةٌ قَرِيبَةٌ مُوَصِّلَةٌ إلَى عَيْنِ الْمَقْصُودِ وَتِلْكَ قِيَاسِيَّةٌ بَعِيدَةٌ؛ وَلَا تُوَصِّلُ إلَّا إلَى نَوْعِ الْمَقْصُودِ لَا إلَى عَيْنِهِ. وَأَمَّا الْمَقَاصِدُ فَالْقُرْآنُ أَخْبَرَ بِالْعِلْمِ بِهِ وَالْعَمَلِ لَهُ فَجَمَعَ بَيْنَ قُوَّتَيْ الْإِنْسَانِ الْعِلْمِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ: الْحِسِّيَّةِ وَالْحَرَكِيَّةِ الْإِرَادِيَّةِ الْإِدْرَاكِيَّةِ والاعتمادية: الْقَوْلِيَّةِ وَالْعَمَلِيَّةِ حَيْثُ قَالَ: {اعْبُدُوا رَبَّكُمُ} فَالْعِبَادَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مَعْرِفَتِهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ وَالتَّذَلُّلِ لَهُ وَالِافْتِقَارِ إلَيْهِ؛ وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُودُ؛ وَالطَّرِيقَةُ الْكَلَامِيَّةُ؛ إنَّمَا تُفِيدُ مُجَرَّدَ الْإِقْرَارِ؛ وَالِاعْتِرَافِ بِوُجُودِهِ. وَهَذَا إذَا حَصَلَ مِنْ غَيْرِ عِبَادَةٍ وَإِنَابَةٍ: كَانَ وَبَالًا عَلَى صَاحِبِهِ؛ وَشَقَاءً لَهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: {أَشَدُّ النَّاسِ عَذَابًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ: عَالِمٌ لَمْ يَنْفَعْهُ اللَّهُ بِعِلْمِهِ} كإبليس اللَّعِينِ؛ فَإِنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِرَبِّهِ مُقِرٌّ بِوُجُودِهِ؛ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَعْبُدْهُ كَانَ رَاسَ الْأَشْقِيَاءِ وَكُلُّ مَنْ شَقِيَ فَبِاتِّبَاعِهِ لَهُ. كَمَا قَالَ: {لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ} . فَلَا بُدَّ أَنْ يَمْلَأَ جَهَنَّمَ مِنْهُ وَمِنْ أَتْبَاعِهِ مَعَ أَنَّهُ مُعْتَرِفٌ بِالرَّبِّ؛ مُقِرٌّ بِوُجُودِهِ وَإِنَّمَا أَبَى وَاسْتَكْبَرَ عَنْ الطَّاعَةِ؛ وَالْعِبَادَةِ؛ وَالْقُوَّةِ الْعِلْمِيَّةِ مَعَ الْعَمَلِيَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْفَاعِلِ وَالْغَايَةِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ الْعِلْمُ بِلَا عَمَلٍ كَالشَّجَرِ بِلَا ثَمَرٍ وَالْمُرَادُ بِالْعَمَلِ هُنَا عَمَلُ الْقَلْبِ الَّذِي هُوَ إنَابَتُهُ إلَى اللَّهِ وَخَشْيَتُهُ لَهُ حَتَّى يَكُونَ عَابِدًا لَهُ. فَالرُّسُلُ وَالْكُتُبُ الْمُنَزَّلَةُ: أَمَرَتْ بِهَذَا وَأَوْجَبَتْهُ بَلْ هُوَ رَاسُ الدَّعْوَةِ وَمَقْصُودُهَا وَأَصْلُهَا وَالطَّرِيقَةُ السَّمَاعِيَّةُ الْعَمَلِيَّةُ الصَّوْتِيَّةُ الْمُنْحَرِفَةُ؛ تُوَافِقُ عَلَى الْمَقْصُودِ الْعَمَلِيِّ؛ لَكِنْ لَا بِعِلْمِ؛ بَلْ بِصَوْتِ مُجَرَّدٍ أَوْ بِشِعْرِ مُهَيِّجٍ؛ أَوْ بِوَصْفِ حُبٍّ مُجْمَلٍ. فَكَمَا أَنَّ الطَّرِيقَةَ الْكَلَامِيَّةَ فِيهَا عِلْمٌ نَاقِصٌ بِلَا عَمَلٍ. فَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ فِيهَا عَمَلٌ نَاقِصٌ بِلَا عِلْمٍ. وَالطَّرِيقَةُ النَّبَوِيَّةُ الْقُرْآنِيَّةُ السُّنِّيَّةُ الْجَمَاعِيَّةُ فِيهَا الْعِلْمُ وَالْعَمَلُ كَامِلَيْنِ. فَفَاتِحَةُ دَعْوَةِ الرُّسُلِ: الْأَمْرُ بِالْعِبَادَةِ. قَالَ تَعَالَى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ} وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ {أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ} وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الْإِقْرَارَ بِهِ وَعِبَادَتَهُ وَحْدَهُ فَإِنَّ الْإِلَهَ هُوَ الْمَعْبُودُ وَلَمْ يَقُلْ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا رَبَّ إلَّا اللَّهُ؛ فَإِنَّ اسْمَ اللَّهِ أَدَلُّ عَلَى مَقْصُودِ الْعِبَادَةِ لَهُ الَّتِي لَهَا خُلِقَ الْخَلْقُ وَبِهَا أُمِرُوا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ لِمُعَاذِ: {إنَّك تَاتِي قَوْمًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلْيَكُنْ أَوَّلُ مَا تَدْعُوهُمْ إلَيْهِ شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ} وَقَالَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلَامُ {أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} وَكَذَلِكَ الرُّسُلُ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَغَيْرِهَا. وَقَالَ: وَلَقَدْ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت