فهرس الكتاب

الصفحة 291 من 592

فأخبر سبحانه أنه لو شاء لعرفهم رسوله بالسيماء في وجوههم ثم قال: {و لتعرفنهم في لحن القول} فأقسم أنه لابد أن يعرفهم في لحن القول و منهم من كان يقول القول أو يعمل العمل فينزل القرآن يخبر أن صاحب ذلك القول و العمل منهم كما في سورة براءة و بينهم من كان المسلمون أيضا يعلمون كثيرا منهم بالشواهد و الدلالات و القرائن و الأمارات و منهم من لم يكن يعرف كما قال تعالى: {و ممن حولكم من الأعراب منافقون و من أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} [التوبة: 101] ثم جميع هؤلاء المنافقين يظهرون الإسلام و يحلفون أنهم مسلمون و قد اتخذوا أيمانهم جنة و إذا كانت هذه حالهم فالنبي عليه الصلاة و السلام لم يكن يقيم الحدود بعلمه و لا بخبر الواحد و لا بمجرد الوحي و لا بالدلائل و الشواهد حتى يثبت الموجب للحد ببينه أو لإقرار ألا ترى كيف أخبر عن المرأة الملاعنة أنها إن جاءت بالولد على نعت كذا و كذا فهو للذي رميت به و جاءت به على النعت المكروه فقال: [لولا الأيمان لكان لي و لها شأن] و كان بالمدينة امرأة تعلن الشر فقال: [لو كنت راجما أحدا من غير بينة لرجمتها] و قال للذين اختصموا إليه: [إنكم تختصمون إلي و لعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي بنحو ما أسمع فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع له قطعة من النار] فكان ترك قتلهم ـ مع كونهم كفارا ـ لعدم ظهور الكفر منهم بحجة شرعية

و يدل على هذا أنه لم يستتبهم على التعيين و من المعلوم أن أحسن حال من ثبت نفاقه و زندقته أن يستتاب كالمرتد فإن تاب و إلا قتل و لم يبلغنا أنه استتاب واحدا بعينه منهم فعلم أن الكفر و الردة لم تثبت على واحد بعينه ثبوتا يوجب أن يقتل كالمرتد و لهذا تقبل علانيتهم و نكل سرائهم إلى الله

فإذا كانت هذه حال من ظهر نفاقه بغير البينة الشرعية فكيف حال من لم يظهر نفاقه؟ و لهذا قال عليه الصلاة و السلام: [إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس و لا أشق بطونهم] لما استؤذن في قتل ذي الخويصرة و لما استؤذن أيضا في قتل رجل من المنافقين قال: [أليس يشهد أن لا إله إلا الله؟] قيل: بلى قال [أليس يصلي؟] قيل: بلى قال: [أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم]

فاخبر عليه الصلاة و السلام أنه نهي عن قتل من أظهر الإسلام من الشهادتين و الصلاة ـ و إن ذكر بالنفاق و رمي به و ظهرت عليه دلالته ـ إذا لم يثبت بحجة شرعية أنه أظهر الكفر

و كذلك قوله في الحديث الآخر: [أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله و أني رسول الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم و أموالهم إلا بحقها و حسابهم على الله] معناه أني أمرت أن أقبل منهم ظاهر الإسلام و أكل بواطنهم إلى الله و الزنديق و المنافق إنما يقتل إذا تكلم بكلمة الكفر و قامت عليه بذلك بينة و هذا حكم بالظاهر لا بالباطن و بهذا الجواب يظهر فقه المسألة

الوجه الثاني: أنه عليه الصلاة و السلام كان يخاف أن يتولد من قتلهم من الفساد أكثر مما في استبقائهم و قد بين ذلك حين قال: [لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه] و قال: [إذا ترعد له آنف كثيرة بيثرب] فإنه لو قتلهم بما يعلمه من كفرهم لأوشك أن يظن الظان أنه إنما قتلهم لأغراض و أحقاد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت